تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
أفول حثت الآيات السابقة على الصدقة والانفاق في سبيل اللّه أبلغ حث وآكده وأرشدت إلى ما يجب أن يتصف به المنفق عند البذل من الاخلاص وقصد تثبيت النفس وما يجب أن يتقيه بعد البذل وهو المن الأذى ، فكان ذلك إرشادا يتعلق بالبذل والباذل . ثم أراد تعالى أن يبين لنا ما ينبغي مراعاته في المبذول ليكمل الارشاد في هذا المقام فقال : * * *
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
فبين نوع ما ينفق ويبذل ووصفه . أما الوصف فهو أن يكون من الطيبات والطيب هو الجيد المستطاب وضده الخبيث المستكره . ولذلك قال في مقابل هذا الأمر
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
أصل تيمموا تتيمموا . ومن العجيب أن يختلف المفسرون في تفسير الطيب هل يراد به ما ذكر أم هو بمعنى الحلال وأن يرجح بعض المعروفين بالتدقيق منهم الثاني ، وبعضهم أنه ورد هنا بالمعنيين على أن بعضهم عزا الأول إلى الجمهور . نعم إن كل جيد وحسن يوصف بالطيب وإن كان حسنه معنويا فيقال البلد الطيب والكلم الطيب ، ولكن أسلوب الآية يأبى أن يراد بالطيبات هنا أنواع الحلال وبالخبيث المحرم وقواعد الشرع لا ترضاه . وما ورد في سبب نزول الآية يؤيد أسلوبها وهو أن بعض المسلمين كانوا يأتون بصدقتهم من حشف التمر وهو رديئه رواه ابن جرير عن البراء بن عازب وفي رواية عن الحسن « كانوا يتصدقون من رذالة مالهم » وفي أخرى عن علي رضى اللّه عنه « نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيد ناحية فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الردىء » وقد أورد ابن جرير في ذلك عدة روايات . والمعنى أنفقوا من جياد أموالكم ولا تيمموا أي تقصدوا الخبيث فتجعلوا صدقتكم منه خاصة دون الجيد فهو نهى عن تعمد حصر الصدقة في الخبيث ولا يدل على منع التصدق به من غير تعمد ولا حصر ولو أريد بالخبيث الحرام ، لنهى عن الانفاق منه البتة لا عن قصد التخصيص فقط أما وقد جاءت الآية بالأمر بالانفاق من الطيبات من غير حصر للنفقة فيها وبالنهى عن تحرى الانفاق من الخبيث خاصة دون الطيب لا عن مطلق الانفاق من الخبيث فلا يجوز مع هذا أن يراد بالطيبات الحلال وبالخبيث المحرم . على أن الأصل في مال المؤمنين أن يكون حلالا وإنما خوطبوا بالانفاق مما في أيديهم فلو أريد
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 71 | الشيخ محمد رشيد رضا