تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
جعل إيتاء المال على حبه شعبة من شعب البر كما جعل في سورة الانسان إطعام الطعام على حبه صفة من صفات الأبرار . ولكنه في الآية التي نفسرها جعل الانفاق مما يحب غاية لا ينال البر إلا بالانتهاء إليها . وقد فهم منه بعضهم أن من أنفق مما يجب كان برا وإن لم يأت بسائر شعب البر من الايمان بجميع أركانه وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وحين البأس ، وليس ما فهم بصواب إنما الصواب أن الانسان لا يكون برا بالقيام بهذه الخصال حتى ينتهى إلى هذه الخصلة - الانفاق مما يحب - وما جعلها غاية إلا وهي أشق على النفوس وأبعد عن الحصول إلا من وفقه اللّه تعالى ووهبه الكمال وهذا الانفاق غير الزكاة خلافا لما نقل في بعض الروايات فان الزكاة قد عدت في آية البقرة من شعب البر وأركانه بعد ذكر إيتاء المال على حبه فدل ذلك على أنهما متغايران ولا يشترط في الزكاة أن تكون مما يحب المؤدى بل ورد أمر العاملين عليها باتقاء كرائم أموال الناس . ومن فضل اللّه تعالى علينا أن اكتفى منا في نيل البر بأن ننفق مما نحب ولم يشترط علينا أن ننفق جميع ما نحب ثم قال تعالى
وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
لا يخفى عليه هل هو محبوب لديكم أو مزهود فيه . وهل أنتم مخلصون في إنفاقه أم أنتم مراءون طالبون للشهرة والجاه . فهو عز وجل يجازيكم على ما تنفقون بحسب ما يعلم من نيتكم ومن موقع ذلك من قلوبكم وقدر ما ترتقى بذلك أرواحكم . فرب منفق مما يحب لا يسلم من الرياء ورب فقير لا يجد ما يحب فينفق منه ولكن قلبه يفيض بالبر حتى لو وجد ما أحب لأوشك أن ينفقه كله ويذكر المفسرون في تفسير الآية ما كان عليه السلف الصالح من جعل ما يحبون للّه تعالى . ذكر ابن جرير الشواهد على ذلك من روايته ونقل غيره من كتب الحديث بعض الوقائع . فمن ذلك ما أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي عن أنس قال « كان أبو طلحة أكثر الأنصار نخلا بالمدينة وكان أحب أمواله اليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يدخلها ويشرب