تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
من ماء فيها طيب فلما نزلت
« لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ »
قال أبو طلحة يا رسول اللّه إن أحب أموالي إلى بيرحاء وإنها صدقة للّه تعالى أرجو برها وذخرها عند اللّه تعالى فضعها يا رسول اللّه حيث أراك اللّه تعالى فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : بخ بخ ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين . فقال أفعل يا رسول اللّه ، فقسمها أبو طلحة بين أقاربه وبنى عمه » وفي رواية لمسلم وأبى داود « فجعلها بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب » وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن محمد بن المنكدر قال « لما نزلت هذه الآية جاء زيد بن حارثة بفرس يقال لها سبل لم يكن له مال أحب اليه منها فقال هي صدقة فقبلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحمل عليها ابنه أسامة فرأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك في وجه زيد فقال : إن اللّه قبلها منك » وفي رواية ابن جرير « فكأن زيدا وجد في نفسه فلما رأى ذلك منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : أما إن اللّه قد قبلها » وهذا وما قبله من آيات سياسته صلّى اللّه عليه وسلّم للقلوب . رأى أن زيدا وأبا طلحة قد خرجا بعاطفة الايمان عن أحب أموالهما إليهما على تعلق القلوب بكرائم الأموال فجعل ذلك في الأقربين منهما ليثبت قلوبهما فلا يكون للشيطان سبيل إلى الوسوسة لهما بالدم أو الامتعاض إذا رأيا ذلك في أيدي الغرباء . وقد يمتعض المرء بعد فقد المحبوب وإن فارقه مختارا مرتاحا لعاطفة أو أريحية طارئة ثم لا يلبث أن يعاوده من الحنين اليه ما لا يعاوده إلى ما هو أغلى منه ثمنا إذا لم يكن من الكرائم المحبوبة . ولهذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يأمر عمال الصدقة باتقاء كرائم أموال الناس . ويدل على ما قررته في ذلك أثر ابن عمر الآتي : أخرج عبد بن حميد عن ابن عمر قال حضرتنى هذه الآية
« لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ »
الخ فذكرت ما أعطاني اللّه تعالى فلم أجد أحب إلى من مرجانة - جارية لي روميه - فقلت هي حرة لوجه اللّه تعالى ، فلو أنى أعود في شئ جعلته للّه تعالى لنكحتها فأنكحتها نافعا : فانظر كيف راودته نفسه بعد عتقها أن يستبقيها لنفسه ولا يفارقها لولا أن كان مما تربت عليه نفسه العالية أن لا يعود في شئ جعله للّه ، وانظر كيف خص بها بعد ذلك مولاه نافعا الذي كان يحبه كولده .