تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
لأن سائر معاني الهداية عام لهم ولغيرهم والطريقة الثانية هي أنهم كفروا بعد ما سبق لهم من الايمان بالرسل - فالرسول على هذا القول للجنس - وجاءهم البينات على ألسنتهم وذلك بتركهم ما اتفق عليه أولئك الرسل من التوحيد الخالص وإسلام الوجه للّه وإخلاصه له بالبراءة من حظوظ النفس وأهوائها في الدين واستبدالهم بهذه الهداية ما وضعوا لأنفسهم من التقاليد والبدع . وحاصل المعنى على هذه الطريقة : كيف ترجو يا محمد هداية هؤلاء المعاندين لك ظنا أن معرفتهم بالكتاب والايمان جعلتهم أقرب الناس إلى معرفة حقيقة ما جئت به بعد ما علمت من كفرهم بحقيقة ما كانوا عليه من الاسلام بنقضهم الميثاق وتحريفهم الكلم . أقول : والكلام على هذه الطريقة مبنى على اعتبار الأمة كالشخص لتكافلها كما قرره مرارا فالمراد بكفرهم بعد إيمانهم كفر مجموع الحاضرين وأمثالهم بعد إيمان مجموع سلفهم لا أن كل واحد من الكافرين كان مؤمنا ثم كفر . * * *
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
قال الأستاذ الامام : لعنة اللّه عبارة عن سخطه ولعنة الملائكة والناس إما سخطهم وهو الظاهر هنا وإما الدعاء عليهم باللعنة ، أي أنهم متى عرفوا حالهم فإنهم يلعنونهم : والمشهور أن معنى اللعنة الطرد والابعاد ففي حقيقة الأساس « لعنه أهله طردوه وأبعدوه وهو لعين طريد » وبذلك فسرنا الكلمة في قوله تعالى
( 2 : 88 وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ )
وهي أول آية ذكر فيها اللعن في سورة البقرة والظاهر من العبارة هناك أنها ليست عن الأستاذ الامام وما قاله هنا هو من التفسير بطريق اللزوم فان الطريد لا يطرد إلا وهو مسخوط عليه وقد قال الراغب في المفردات « اللعن الطرد والابعاد على سبيل السخط وذلك من اللّه في الآخرة عقوبة وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه ، ومن الانسان دعاء على غيره قال
( 11 : 18 أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ )
( 24 : 7 وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ )
ا ه وقوله دعاء على غيره أي بالطرد لأنه هو معنى اللعن في الأصل . والجمهور يفسرون لعن اللّه لمن يلعنه بطرده من جنته أو من رحمته أي الخاصة - إذ الرحمة العامة مبذولة لكل مخلوق