تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
لهداية هؤلاء - كما قال البيضاوي وإياس للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم منهم . وفسرت المعتزلة الهداية بالألطاف الذي يكون من اللّه للمؤمنين أو بالهداية إلى الجنة وأهل السنة بخلق المعرفة قالهما الرازي وكلاهما ضعيف . وفسرها ابن جرير بالتوفيق والارشاد فأما الارشاد فقد أوتوه ولولا ذلك لكانوا معذورين ولولاه لما كان لايمانهم بعد مجىء البينات معنى والصواب ما أشرنا إليه من أن المعنى استبعاد هدايتهم بحسب سنن اللّه تعالى في البشر وإياس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من إيمانهم . ووجه الاستبعاد أن سنة اللّه تعالى في هداية البشر إلى الحق هي أن يقيم لهم الدلائل والبينات مع عدم الموانع من النظر فيها على الوجه الذي يؤدى إلى المطلوب . وكل ذلك قد كان لهؤلاء ولذلك آمنوا من قبل
وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ
ثم كفروا مكابرة لأنفسهم ومعاندة للرسول حسدا له وبغيا عليه . أو المعنى : بأي كيفية تكون هداية من كفروا بعد إيمانهم والحال أنهم قد شهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات التي تبين بها الحق من الباطل والرشد من الغى . ولم يغن عنهم ذلك شيئا لغلبة العناد والاستكبار على نفوسهم والحسد والبغى على قلوبهم ، فكانوا بذلك ظالمين لأنفسهم باستحباب العمى على الهدى
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
أي مضت سنته بأن الظالم لا يكون مهتديا . وقال الأستاذ الامام : في تفسير الآية طريقتان . إحداهما شهادتهم بأن الرسول حق : هي أنهم كانوا يعرفون بشارات الأنبياء بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وكانوا عازمين على اتباعه إذا جاء في زمنهم وانطبقت عليه العلامات وظهرت فيه البشارات ثم إنهم كفروا به وعاندوه بعد مجيئهم بالبينات لهم وظهور الآيات على يديه واللّه لا يهدى أمثال هؤلاء الظالمين لأنفسهم والجانين عليها . ووضع الوصف
« الظَّالِمِينَ »
مكان الضمير لبيان سبب الحرمان من الهداية فان الظلم هو العدول عن الطريق الذي يجب سلوكه لأجل الوصول إلى الحق في كل شئ بحسبه . فذكره من قبيل ذكر الدليل على الشئ بعد ادعائه وما كان من تنكب هؤلاء باختيارهم لطريق الحق وهو العقل وهدى النبوة بعد ما عرفوه بالبينات هو نهاية الظلم . ( قال ) والهداية هنا هي التي أمرنا بطلبها في سورة الفاتحة وهي الايصال إلى الحق