تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
فقلت يا رسول اللّه إذن يحلف فيذهب مالي فأنزل اللّه
« إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ »
الآية . وأخرج البخاري عن عبد اللّه بن أبي أوفى أن رجلا أقام سلعة له في السوق فحلف باللّه لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين ، فنزلت هذه الآية
« إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا »
قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري : لا منافاة بين الحديثين بل يحمل على أن النزول كان بالسببين معا . وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن الآية نزلت في حيى بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل اللّه في التوراة وبدلوه وحلفوا أنه من عند اللّه . قال الحافظ ابن حجر : والآية محتملة ولكن العمدة في ذلك ما ثبت في الصحيح ا ه من لباب النقول . ويحتمل أن الآية كانت تذكر عند ذكر تلك الوقائع فيظن من لم يكن سمعها أنها نزلت فيها وهي على كل حال متصلة بما قبلها متممة له والأيمان فيها جمع يمين وهو في الأصل اسم لليد التي تقابل الشمال ثم سمى الحلف والقسم يمينا لأن الحالف في العهد يضع يمينه في يمين من يعاهده عند الحلف لتأكيد العهد وتوثيفه حتى إن اللفظ يطلق على العهد نفسه . وقد أضاف العهد ههنا إلى اللّه لأنه تعالى عهد إلى الناس في كتبه المنزلة أن يلتزموا الصدق والوفاء بما يتعاهدون ويتعاقدون عليه وأن يؤدوا الأمانات إلى أهلها كما عهد إليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ويتقوه في جميع الأمور فعهد اللّه يشمل كل ذلك ولما كان الناكث للعهد لا ينكث إلا لمنفعة يجعلها بدلا منه عبر عن ذلك بالشراء الذي هو معاوضة ومبادلة ، وسمى العوض ثمنا قليلا مع العلم بأن بعض الناس لا ينكثون العهد في الأمور الكبيرة إلا إذا أوتوا عليه أجرا كبيرا وثمنا كثيرا لأجل ان يبين للناس ان كل ما يؤخذ بدلا من عهد اللّه فهو قليل لا سيما إذا اكد باليمين لأن العهود إذا خزيت اختل امر الدين إذ الوفاء آيته البينة بل محوره الذي عليه مداره ، وفسدت مصالح الدنيا إذ تبطل ثقة الناس بعضهم ببعض والثقة روح المعاملات وسلك النظام وأساس العمران ، لأجل هذا كان الوعيد على نكث العهد ولو لأجل المنفعة أشد ما نطق به الكتاب واغلظه واى عقاب أشد من عقاب من لا خلاق له في الآخرة اى لا نصيب له من النعيم فيها ولا يكلمه اللّه كلام إعتاب ولا ينظر إليه نظر عطف ورحمة ولا يزكيه بالثناء
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 342 | الشيخ محمد رشيد رضا