أجل أو باعك بثمن مؤجل وجب عليك الوفاء بالعهد وأداء حقه إليه في وقته من غير أن تلجئه إلى التقاضى والالحاح في الطلب بذلك تقتضى الفطرة وتحتمه الشريعة . وهذا مثال العهد مع الناس وهو المراد هنا أولا وبالذات للرد على أولئك اليهود الذين لم يجعلوا العهد مما يجب الوفاء به لذاته وإنما العبرة عندهم بالمعاهد فإن كان إسرائيليا وجب الوفاء له لأنه إسرائيلي ومن كان غير إسرائيلي فلا عهد له ولا حق يجب الوفاء به . ويدخل في الاطلاق عهد اللّه تعالى وهو ما يلتزم المؤمن الوفاء له به من اتباع دينه والعمل بما شرعه على لسان رسوله وعهد للناس العمل به وهو حجة على اليهود أيضا فإنهم ما كانوا يوفون بهذا العهد مع أنهم يقولون بوجوب الوفاء ولو أوفوا به لآمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم واتبعوا النور الذي أنزل معه كما أوصاهم اللّه وعهد إليهم على لسان موسى صلّى اللّه عليه وسلّم
ولفظ
« بَلى »
جاء لاثبات ما نفوه في قولهم
« لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ »
فهو يقول بلى عليكم سبيل وأي سبيل ، إذ فرض عليكم الوفاء بالعهد والتقوى ثم ذكر جزاء أهل الوفاء والتقوى فقال من أوفى بعهده الذي عاهد به اللّه أو الناس واتقى الاخلاف والغدر والاعتداء فان اللّه يحبه فيعامله معاملة المحبوب بأن يجعله محل عنايته ورحمته في الدنيا والآخرة . قال الأستاذ الامام ما معناه . إن ورود الجواب بهذه العبارة أفادنا قاعدة عامة من قواعد الدين وهي أن الوفاء بالعهود واتقاء الاخلاف وسائر المعاصي والخطايا هو الذي يقرب العبد من ربه ويجعله أهلا لمحبته لا كونه من شعب كذا . ومن هذه القاعدة يعلم خطأ اليهود في زعمهم أنه ليس عليهم في الأميين سبيل . وفيه التعريض بأن أصحاب هذا الرأي ليسوا من أهل التقوى التي هي الركن الركين لكل دين قويم
ثم بين تعالى جزاء أهل الغدر والاخلاف مع بيان السبب الذي يحملهم على ذلك فقال
* * *
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
روى الشيخان وغيرهما أن الأشعث قال كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال « ألك بينة ؟ » قلت لا فقال لليهودي « احلف »