للكافرين وللمفتونين مثل خلق آدم من تراب وهو حجة على الفريقين من اليهود والنصارى ولا شك أن خلق آدم أعجب من خلق عيسى لأن هذا خلق من حيوان من نوعه وذاك قد خلق من التراب ، وفي الكلام ارشاد إلى أن أمر الخليقة يشبه بعضه بعضا فكله غريب بالنسبة إلينا إذا تفكرنا في حقيقتها وعللها ولا شئ منه بغريب عند الموجد المبدع . أما القوانين المعروفة في علم الخليقة فهي قد استخرجت مما نعهده ونشاهده وليست قوانين عقلية قامت البراهين على استحالة ما عداها كيف واننا نرى في كل يوم ما يخالفها كالحيوانات التي لها أعضاء زائدة والتي تولد من غير جنسها وترون ذكر ذلك في الجرائد ويعبرون عنه بفلتات الطبيعة وهو انما خالف ما نعرف لا ما يعلم اللّه تعالى . وما يدرينا ان لكل هذه الشواذ والفلتات سننا مطردة محكمة لم تظهر لنا . وكذلك شأن خلق عيسى فكونه على غير المعهود ليس مزية تقتضى تفضيله عليهم . فكيف تقتضى أن يكون إلها ؟ وإذا كان عيسى قد خلق من بعض جنسه فآدم قد خلق من غير جنسه فهو أولى بالمزية لو كانت وبالانكار ان صح ، على أن ما نعرف من أمر الخلقية ليس لنا منه إلا الظاهر ، نصفه ونقول به وان لم نعقله ، وما ذا نعقل من الرابطة بين الحس والنطق في الانسان مثلا ؟ بل ما ذا نعقل من أمر حبة الحنطة في نبتها واستوائها على سوقها وتناسب أوراقها وغير ذلك ؟
ذلك
* * *
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
الذي خلق عيسى وغيره وبيده ملكوت كل شئ
فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
في أمره ، القائلين فيه بغير علم فقد جاءك علم اليقين
* * *
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ
لهم قولا يظهر علمك الحق وارتيابهم الباطل
تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ
يقال ابتهل الرجل دعا وتضرع ، والقوم تلاعنوا . وفسر الابتهال هنا بقوله
فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
وتسمى هذه الآية آية المباهلة وقد ورد من عدة طرق ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دعا نصارى نجران للمباهلة فأبوا . أخرج البخاري ومسلم « ان العاقب والسيد أتيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه : لا تلاعنه فو اللّه لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح أبدا ولا عقبنا من بعدنا . فقال له نعطيك ما سألت ، فابعث معنا رجلا أمينا