التأمل لا يجد عنه منصرفا . والعطف بثم لبيان التكوين الآخر يفيد تراخيه وتأخره عن الخلق الأول . وهل كان في هذه المدة على صفة واحدة أم تقلب في أطوار مختلفة كما تتقلب دريته ؟ اقرأ قوله تعالى
( 71 : 14 وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً )
وقوله عز وجل
( 23 : 12 وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ 13 ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 14 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 16 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ )
فالسلالة المستخرجة من الطين هي المكون الأول الذي يعبرون عنه بلسان العلم الآن بالبر وتو بلاسما ومنها تكون أصلنا في ذلك الطور ، لأنه تعالى يقول إنه خلقه من تلك السلالة ، ثم انتقل إلى طور التولد بواسطة النطفة في القرار المكين وهو الرحم ، ثم انتقل إلى طور تحول النطفة إلى علقة والعلقة إلى مضغة والمضغة إلى هيكل من العظام يكسى لحما وقد عد هذا طورا واحدا ، ثم أنشأه خلقا آخر وهو الطور الأخير . ثم ذكر أن له طورا آخر في الموت وطورا آخر في البعث وهو آخر أطواره فكل طور من الأطوار التي قبل الموت حادث وحدوثه لأون مره لم يكن مسبوقا بنظير ولم يكن معتادا وانما وجد بمشيئة اللّه وتكوينه المعبر عنه بقوله
« كُنْ فَيَكُونُ »
فهل يعز على صاحب هذه المشيئة أن يخلق عيسى من غير أب ؟ كلا . ولا يعجزه أن يبعث الناس بعد موتهم في نشأة أخرى كالنشأة الأولى
وقال الأستاذ الامام ما مثاله : قلنا إن هذه الآيات سيقت في معرض إثبات نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ببيان أن للّه تعالى أن يصطفى من عباده من يشاء لرسالته وأنه مستقل في أفعاله فلا وجه لانكار اصطفائه محمدا وقد اصطفى قبله آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران . ثم جاء في السياق ذكر قصة عيسى وأمه وما جاء به وما كان من كفر بعض قومه به ورمى أمه بالزنا وإيمان بعض وهناك قسم ثالث لم يكفر بعيسى ولم يؤمن به إيمانا صحيحا بل افتتن به افتتانا لكونه ولد من غير أب وزعموا أن معنى كونه ولد بكلمة من اللّه وكونه من روح اللّه أن اللّه تعالى حل في أمه وأن كلمة اللّه تجسدت فيه فصار إلها وانسانا . فضرب