مكر فمكره سبحانه وتعالى موجه إلى الخير ومكرهم هو الموجه إلى الشر .
* * *
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي مكر اللّه بهم ، إذ قال لنبيه إني متوفيك الخ فان هذه بشارة بانجائه من مكرهم وجعل كيدهم في نحرهم قد تحققت ولم ينالوا منه ما كانوا يريدون بالمكر والحيلة والتوفى في اللغة أخذ الشئ وافيا تاما . ومن ثم استعمل بمعنى الإماتة قال تعالى
( 39 : 42 اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها )
وقال
( 32 : 11 قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ )
فالمتبادر في الآية إني مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان رفيع عندي ، كما قال في إدريس عليه السّلام
( 19 : 53 وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا )
واللّه تعالى يضيف اليه ما يكون فيه الأبرار من عالم الغيب قبل البعث وبعده كما قال في الشهداء
( 3 : 169 أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ )
وقال
( 54 : 54 إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 55 ) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ )
وأما تطهيره من الذين كفروا فهو انجاؤه مما كانوا يرمونه به أو يرومونه منه ويريدونه به من الشر . هذا ما يفهمه القارئ الخالي الذهن من الروايات والأقوال . لأنه هو المتبادر من العبارة وقد أيدناه بالشواهد من الآيات ، ولكن المفسرين قد حولوا الكلام عن ظاهره لينطبق على ما أعطتهم الروايات من كون عيسى رفع إلى السماء بجسده . وهاك ما قاله الأستاذ الامام في ذلك :
يقول بعض المفسرين
« إِنِّي مُتَوَفِّيكَ »
أي منومك ، وبعضهم انى قابضك من الأرض بروحك وجسدك
« وَرافِعُكَ إِلَيَّ »
بيان لهذا التوفى ، وبعضهم انى أنجيك من هؤلاء المعتدين فلا يتمكنون من قتلك وأميتك حتف أنفك ثم أرفعك إلى ونسب هذا القول إلى الجمهور ، وقال : للعلماء ههنا طريقتان إحداهما وهي المشهورة أنه رفع حيا بجسمه وروحه ، وأنه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفاه اللّه تعالى . ولهم في حياته الثانية على الأرض كلام طويل معروف . وأجاب هؤلاء عما يرد عليهم من مخالفة القرآن في تقديم الرفع على التوفى بأن الواو لا تفيد ترتيبا - أقول : وفاتهم أن مخالفة الترتيب في الذكر للترتيب في الوجود لا يأتي في الكلام البليغ إلا لنكتة ولا نكتة هنا لتقديم التوفى على الرفع إذ الرفع هو الأهم