تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
يشبه أن يكون مجملا وناقصا لا يقينا وإيمانا . وكثيرا ما يظن الانسان أنه عالم بشئ حتى إذا حاول العمل به لم يحسنه فيتبين له أنه كان مخطئا في دعوى العلم . ثم قال إن العلم بالشئ يظل مجملا مبهما في النفس حتى يعمل به صاحبه فيكون بالعمل تفصيليا فذكر الحواريين الأتباع بعد الايمان يفيد أن إيمانهم كان في مرتبة اليقين التفصيلي الحاكم على النفس المصرف لها في العمل
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
للرسول بتبليغ الدعوة ، وعلى قومه بما كان منهم من الكفر والجحود ، فحذف معمول الشاهدين ليعم المشهود له والمشهود عليهم . أو يقال الشاهدين على هذه الحالة أي حالة الرسول مع قومه ، وهو الذي اختاره الأستاذ الامام . قال ومن المعروف في الفقه أن الشاهدين بمنزلة الحاكم لأن الفصل بين الخصمين يكون بشهادتهما ولا تصح الشهادة إلا من العارف بالمشهود به معرفة صحيحة وقد كان الحواريون كذلك كما علم من إقرارهم بالايمان والاتباع * * *
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
أي ومكر أولئك الذين أحس عيسى منهم الكفر به فحاولوا قتله وأبطل اللّه مكرهم فلم ينجحوا فيه وعبر عن ذلك بالمكر على طريق المشاكلة كذا قال الجمهور وأقرهم الأستاذ الامام . ولكن ورد في سورة الأعراف إضافة المكر إلى اللّه تعالى من غير مقابلة بمكر الناس قال
( 7 : 99 أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ؟ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ )
والمكر في الأصل التدبير الخفي المفضى بالممكور به إلى ما لا يحتسب . ولما كان الغالب أن يكون ذلك في السوء لأن من يدبر للانسان ما يسره وينفعه لا يكاد يحتاج إلى اخفاء تدبيره غلب استعمال المكر في التدبير السىء وإن كان في المكر الحسن والسىء جميعا قال تعالى
( 35 : 43 اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ )
ووجه الحاجة إلى المكر الحسن أن من الناس من إذا علم بما يدبر له من الخير أفسد على الفاعل تدبيره لجهله فيحتاج مربيه أو متولى شؤونه إلى أن يحتال عليه ويمكر به ليوصله إلى ما لا يصح أن يعرفه قبل الوصول . إذ يوجد في الماكرين الأشرار والأخيار
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
فان تدبيره الذي يخفى على عباده إنما يكون لإقامة سننه واتمام حكمه وكلها خير في نفسها وان قصر كثير من الناس في الاستفادة منها بجهلهم وسوء اختيارهم . وقال الأستاذ في تفسير
« خَيْرُ الْماكِرِينَ »
بناء على أن المكر في نفسه شر : أي ان كان في الخير