تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ، وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي ، وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ )
فان جعل ذلك كله متعلق النعمة يؤذن بوقوعه الا أن يقال إن جعل هذه الآيات مما يجرى على يديه عند طلبه منه والحاجة إلى تحديه به من أجل النعم وأعظمها ولكن هذا خلاف الظاهر . ومقتضى مذهب الصوفية أن روحانية عيسى كانت غالبة على جثمانيته أكثر من سائر الروحانيين لأن أمه حملت به من الروح الذي تمثل لها بشرا سويا فكان تجرده من المادة الكثيفة للتصرف بسلطان الروح من قبيل الملكة الراسخة فيه وبذلك كان إذا نفخ من روحه في صورة رطبة من الطين نحلها الحياة حتى تهتز وتتحرك وإذا توجه بروحانيته إلى روح فارقت جسدها أمكنه أن يستحضرها ويعيد اتصالها ببدنها زمنا ما ؛ ولكن روحانية البشر لاتصل إلى درجة إحياء من مات فصار رميما . ويؤيد ذلك ما ينقله النصارى من إحياء المسيح للموتى . فإنهم قالوا إنه أحيا بنتا قبل أن تدفن وأحيا اليعازر قبل أن يبلى ولم ينقل أنه أحيا ميتا كان رميما . وأما إبراء الأكمه والأبرص بالقوة الروحانية فهو أقرب إلى ما يعهد الناس لا سيما مع اعتقاد المريض ويقول مجاهد : إن الأكمه من لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار . والمشهور أنه من ولد أعمى . وأما الاخبار ببعض المغيبات فقد أوتيه كثيرون من الأنبياء وممن دون الأنبياء
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
أي إن فيما ذكر لحجة لكم على صدق رسالتي إن كنتم مؤمنين باللّه مصدقين بقدرته الكاملة ، ومن مباحث اللفظ : أن قوله
« فَأَنْفُخُ فِيهِ »
يعود إلى الطير أو إلى ما ذكر * * *
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ
أي أنه لم يأت ناسخا للتوراة بل مصدقا لها عاملا بها ، ولكنه نسخ بعض أحكامها كما قال
وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
فقد كان حرم على بني إسرائيل بعض الطيبات بظلمهم وكثرة سؤالهم فأحلها عيسى
وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
قال الأستاذ الامام : أعاد ذكر الآية للتفرقة بين ما قبلها وما بعدها
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ،
* * *
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ
أمرهم بتقوى اللّه وطاعته فيما جاء به عنه وختم ذلك بالتوحيد والاعتراف بالعبودية وقال في ذلك
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
أي أقرب موصل إلى اللّه