بقوله
أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ
قال الأستاذ الامام : الخلق التقدير والترتيب لا الانشاء والاختراع ويقرب أن يكون هذا إجماعا من المفسرين ، وفسره الجلال هنا بالتصوير لأنه من التقدير
أقول : وذكر الجلال كغيره أنه كان يتخذ من الطين صورة خفاش ، فينفخ فيها فتحلها الحياة وتتحرك في يده ، وقال بعضهم بل تطير قليلا ثم تسقط . قال الأستاذ الامام :
ولا حاجة إلى هذه التفصيلات بل نقف عند لفظ الآية . وغاية ما يفهم منها ان اللّه تعالى جعل فيه هذا السر ولكن لم يقل انه خلق بالفعل ، ولم يرد عن المعصوم ان شيئا من ذلك وقع ، وقد جرت سنة اللّه تعالى أن تجرى الآيات على أيدي الأنبياء عند طلب قومهم لها وجعل الايمان موقوفا عليها فان كانوا سألوه شيئا من ذلك فقد جاء به وكذلك يقال في قوله
وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ . وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
فان قصارى ما تدل عليه العبارة أنه خص بذلك وأمر بأن يحتج به . والحكمة في إخبار النبي صلّى اللّه عليه وسلم بذلك إقامة الحجة على منكري نبوته كما تقدم واما وقوع ذلك كله أو بعضه بالفعل فهو يتوقف على نقل يحتج به في مثل ذلك .
هذا ما قاله الأستاذ الامام . ومن الغريب أن ابن جرير يروى عن ابن إسحاق « ان عيسى صلوات اللّه عليه جلس يوما مع غلمان من الكتاب فأخذ طينا ثم قال أجعل لكم من هذا الطين طائرا ، قالوا وتستطيع ذلك ؟ قال نعم باذن ربى ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطائر فنفخ فيه ، ثم قال كن طائرا باذن اللّه فخرج يطير بين كفيه » فكأنه اتخذ آية اللّه على رسالته ألعوبة للصبيان . والحاصل أنه ليس عندنا نقل صحيح بوقوع خلق الطير بل ولا عند النصارى الذين يتناقلون وقوع سائر الآيات المذكورة في الآية إلا ما في إنجيل الصبا أو الطفولة من نحو ما قال ابن إسحاق وهو من الأناجيل غير القانونية عندهم . ولعل آية سورة المائدة أدنى إلى الدلالة على الوقوع من هذه الآية وهي
( 5 : 110 إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ، وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ، وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي ، وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ