تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
في المستقبل أجل وأعظم . فإذا كان الأمر كذلك في الأرواح التي لا دليل عندنا على أنها تدرك وتريد ، فلم لا يجوز أن يكون تأثير الأرواح العاقلة المريدة أعظم ! ! إذا تمهد هذا فنقول : إن اللّه المسخر للأرواح المنبثة في الكائنات قد أرسل روحا من عنده إلى مريم فتمثل لها بشرا ونفخ فيها ، فأحدثت نفخته التلقيح في رحمها ، فحملت بعيسى عليه السّلام . وهل حملت إليها تلك الفخة مادة أم لا ؟ اللّه أعلم . أما البحث في تمثل هذه الأرواح التي تسمى بلسان الشرع الملائكة فسيأتي الكلام عليه في تفسير قوله تعالى
( 19 : 17 فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا )
إذا أنسأ اللّه لنا في الأجل ووفقنا للمضى في هذا العمل ( التفسير ) والأستاذ الامام لم يتعرض لهذا البحث * * *
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
قرأ نافع وعاصم
( وَيُعَلِّمُهُ )
بالياء والباقون ( ونعلمه ) بالنون . والكتاب هنا الكتابة بالخط والحكمة العلم الصحيح الذي يبعث الإرادة إلى العمل النافع ويقف بالعامل على الصراط المستقيم لما فيه من البصيرة وفقه الاحكام وأسرار المسائل . والتوراة كتاب موسى فقد كان المسيح عالما به يبين اسراره لقومه ، ويقيم عليهم الحجج بنصوصه والإنجيل هو ما أوحى اليه نفسه . وقد تقدم في تفسير أول السورة الكلام فيهما . والكلام معطوف على قوله
« وَيُكَلِّمُ النَّاسَ »
وية
« قالَتْ رَبِّ »
معترضة بينهما * * *
وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ
أي ويرسله أو يجعله ( بالياء أو النون ) رسولا إلى بني إسرائيل . فحذف لفظ يرسله أو يجعله لدلالة الكلام عليه ، كما قال الشاعر :
ورأيت روحك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا
وقال الأستاذ الامام : ان الرسول هنا بمعنى الرسالة . والتقدير ويعلمه الرسالة إلى بني إسرائيل ، واستعمال لفظ الرسول بمعنى الرسالة شائع . قال كثير :
لقد كذب الواشون ، ما بحت عندهم * بسر ولا أرسلتهم برسول
وفي رواية « برسيل » قال وبعض المفسرين يجعل الرسول بمعنى الناطق أي ناطقا إلى بني إسرائيل
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
أقول : والمعنى على التقدير الأول أنه يرسله محتجا على صدق رسالته بأنى قد جئتكم بآية من ربكم . وفسر الآية
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 310 | الشيخ محمد رشيد رضا