أي إذا أراد شيئا ، كما عبر في آية أخرى . فالقضاء بمعنى الإرادة
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
قالوا إن هذا ورد مورد التمثيل لكمال قدرته ونفوذ مشيئته والتصوير لسرعة حصول ما يريد بغير ريث ولا تأخر ، بتشبيه حدوث ما يريده عند تعلق إرادته به حالا بطاعة المأمور القادر على العمل للآمر المطاع . ويسمون الأمر بكن أمر التكوين . ومنه قوله تعالى
( 41 : 11 ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ )
أي أراد أن يكونا فكانتا .
ويقابله أمر التكليف الذي يعرف بوحي اللّه لأنبيائه . وقد مر الالماع لهذا من قبل
وأقول : اعلم أن الكافرين بآيات اللّه ينكرون الحمل بعيسى من غير أب جمودا على العادات ؛ وذهولا عن كيفية ابتداء خلق جميع المخلوقات ، ولو كان لهم دليل عقلي على استحالة ذلك لكانوا معذورين ولكن لا دليل لهم إلا أن هذا غير معتاد ، وهم في كل يوم يرون من شؤون الكون ما لم يكن معتادا من قبل فمنه ما يعرفون له سببا ويعبرون عنه بالاكتشاف والاختراع ومنه ما لا يعرفون له سببا ويعبرون عنه بفلتات الطبيعة . ونحن معاشر المؤمنين نقول إن تلك الأشياء المعبر عنها بالفلتات ، إما أن يكون لها سبب خفى وحينئذ يجب أن تهدى هؤلاء الجامدين إلى أن بعض الأشياء يجوز أن يأتي من غير طريق الأسباب المعروفة فلا ينكروا كل ما يخالفها لاحتمال أن يكون له سبب خفى لم يقفوا عليه . ولا ينزل أمر عيسى في الحمل به من غير واسطة أب عن ذلك . وإما أن تكون قد وجدت في الواقع ونفس الأمر خارقة لنظام الأسباب ، وحينئذ يجب أن يعترفوا بأن الأسباب الظاهرة المعروفة ليست واجبة وجوبا عقليا مطردا وإذا كان الأمر كذلك امتنع على العاقل أن ينكر شيئا ما ويعده مستحيلا لأنه لا يعرف له سببا . ولعل أبناء العصور السابقة كانوا أقرب إلى أن يعذروا بانكار غير المألوف من أبناء هذا العصر الذي ظهر فيه من أعمال الناس ما لو حدث به عقلاء الغابرين . لعدوه من خرافات الدجالين ؛ ونحن نرى علماء الغرب وفلاسفته متفقين على امكان التولد الذاتي ، أي تولد الحيوان من غير حيوان أو من الجماد وهم يبحثون ويحاولون أن يصلوا إلى ذلك بتجاربهم . وإذا كان تولد الحيوان من الجماد جائزا فتولد الحيوان