تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
متعلقة بالناس وما يعود من مطارح أنظارهم على شعور قلوبهم وخطرات أفكارهم قال تعالى فيه
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
أي هو مع ذلك من عباد اللّه المقربين اليه عز وجل . فما يعكس عن أنظر الناظرين اليه هناك إلى مرايا قلوبهم حقيقي في نفسه * * *
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا
قال الأستاذ الامام : الجملة معطوفة على ما قبلها ولا يضر عطف الفعل على الاسم ؛ والكهل الرجل التام السوى من غير تقييد بسن معينة ، والكلام في المهد يصدق بما يكون في سن الكلام ، وهي سنة فأكثر وما يكون قبل ، ذلك وهو آية على كل تقدير . لأن تعديته إلى الناس تفيد أنه يكلمهم كلام التفاهم وكلام الأطفال في المهد لا يكون كذلك عادة . وفي قوله
« وَكَهْلًا »
بشارة بأنه يعيش إلى أن يكون رجلا سويا كاملا
وَمِنَ الصَّالِحِينَ
الذين أنعم اللّه عليهم وأصلح حالهم وهم الأنبياء الذين تعرف مريم سيرتهم * * *
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ؟
أي كيف يكون لي ولد والحال أنني لم أتزوج فالمس كناية ظاهرة والاستفهام على حقيقته في وجه . ومعناه هل يكون ذلك بزواج يطرأ أم بمحض القدرة ؟ وفي وجه آخر : للتعجب من قدرة اللّه والاستعظام لشأنه
قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ
أي كمثل هذا الخلق البديع يخلق اللّه ما يشاء ، فان من شأنه الاختراع والابداع ، أقول : وعبر هنا بالخلق وفي بشارة زكريا بيحيى بالفعل وكل منهما خلق وفعل لكن لفظ الفعل يستعمل كثيرا فيما يجرى على قانون الأسباب المعروفة . ولفظ الخلق يستعمل في الابداع والايجاد ولو بغير ما يعرف من الأسباب . فيقال : خلق السماوات والأرض ولا يقال فعل السماوات والأرض ، ولما كان إيجاد يحيى بين زوجين كايجاد سائر الناس عبر عنه بالفعل ، وإن كان فيه آية لزكريا أن هذين الزوجين لا يولد لمثلهما عادة وأما إيجاد عيسى فهو على غير المعهود في التوالد لأنه من أم غير زوج في الظاهر فكان بالأمور المبتدأة بمحض القدرة أشبه ، والتعبير عنه بالخلق أليق ، وإن كان له سبب روحاني جعل أمه بمعنى الزوج كما سيأتي ولكن هذا السبب غير معهود للناس ولا معروف لهم فمريم لا تعرفه . ولكنها كانت مؤمنة باللّه موقنة بقدرته على كل شئ ولذلك أحالها في البشارة على مشيئته لتكون موقنة فقال
إِذا قَضى أَمْراً