العبرانية وكذلك سين شمس فهي عندهم بمعجمتين . وإنما قيل : ابن مريم مع كون الخطاب لها ، إعلاما لها بأنه ينسب إليها . لأنه ليس له أب ولذلك قالت بعد البشارة
« رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ »
الخ .
وقوله تعالى في وصفه
وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
معناه أنه يكون ذا وجاهة وكرامة في الدارين فالوجيه ذو الجاه والوجاهة . والمادة مأخوذة من الوجه حتى قالوا إن لفظ الجاه أصله وجه ، فنقلت الواو إلى موضع العين ، فقلبت ألفا ثم اشتقوا منه . فقالوا جاه فلان يجوه ، كما قالوا وجه يوجه ، وذو الجاه يسمى وجها كما يسمى وجيها ويقال إن لفلان وجها عند السلطان كما يقال إن له جاها ووجاهة وكأن الأصل في الوجيه من يعظم ويحترم عند المواجهة لما له من المكانة في النفوس . وقال الامام الغزالي : الجاه ملك القلوب . قال الأستاذ الامام : إن كون المسيح ذا جاه ومكانة في الآخرة ظاهر . وأما وجاهته في الدنيا فهي قد تكون موضع إشكال لما عرف من امتهان اليهود له ومطاردتهم إياه على فقزه وضعف عصبيته . والجواب عن ذلك سهل وهو أن الوجيه في الحقيقة من كانت له مكانة في القلوب . واحترام ثابت في النفوس ، ولا يكون أحد كذلك حتى يكون له أثر حقيقي ثابت من شأنه أن يدوم بعده زمنا طويلا أو غير طويل . ولا ينكر أحد أن منزلة المسيح في نفوس المؤمنين به كانت عظيمة جدا وأن ما جاء به من الاصلاح هو من الحق الثابت . وقد بقي أثره بعده . فهذه الوجاهة أعلى وأرفع من وجاهة الأمراء والملوك الذين يحترمون في الظواهر لظلمهم واتقاء شرهم أو لدهانهم والتزلف إليهم ، رجاء الانتفاع بشئ مما في أيديهم من عرض الحياة الدنيا لأن هذه وجاهة صورية لا أثر لها في النفوس إلا الكراهة والبغض والانتقاص وتلك وجاهة حقيقية مستحوذة على القلوب . وحقيقة الوجاهة في الآخرة : هي أن يكون الوجيه في مكان على ومنزلة رفيعة يراه الناس فيها فيجلونه ويعلمون أنه مقرب من اللّه تعالى ولا يمكننا أن نحددها ونعرف بماذا تكون . قال قائل في الدرس : إن هذه الوجاهة تكون بالشفاعة . فقال الأستاذ الامام : إن الآية لم تبين ذلك ، على أنكم تقولون إن هذه الشفاعة عامة لكل نبي وعالم وصالح فما هي مزية المسيح إذن ؟ ولما كانت الوجاهة