جماعة الملائكة دون الواحد وجبريل واحد . فلن يجوز أن يحمل تأويل القرآن الاعلى الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب دون الأقل ، ما وجد إلى ذلك سبيل ، ولم تضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفى من الكلام والمعاني . وبما قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل العلم منهم قتادة والربيع بن أنس وعكرمة ومجاهد وجماعة غيرهم : ا ه
أما قوله
وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ
فالظاهر من معناه المتبادر عندي أنه نودي وهو قائم يدعو بذلك الدعاء الذي ذكر هنا مختصرا وذكر في سورة مريم بأطول مما هنا . فالصلاة دعاء والدعاء صلاة وقد عطف
« فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ »
على ما قبله بالفاء وحكاية ما قبله صريحة في كون الدعاء وقع في المحراب الذي كانت مريم فيه . فقول الرازي ان الآية تدل على أن الصلاة مشروعة عندهم غريب جدا ، وأي دين لا صلاة فيه ولا دعاء ؟
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى
أي بولد اسمه يحيى ، كما في سورة مريم
« إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى »
قرأ ابن عامر وحمزة « إن » بكسر الهمزة لأن النداء قول ، والباقون بفتحها على تقدير الباء أي نادته بأن اللّه يبشره وفيه إشعار بأن البشارة محكية بالمعنى لا باللفظ ، فما هنا لا ينافي ما في سورة مريم من التفصيل . قرأ حمزة والكسائي يبشرك كينصرك والباقون بالتشديد ؛ ويحيى تعريب لكلمة « يوحنا » في لغة بني إسرائيل . وهي من مادة الحياة فالاسم يشعر بأنه يحيا حياة طيبة بأن يكون وارثا لوالده ومن آل يعقوب ما كان فيهم من النبوة والفضل . وقد وصف تعالى هذا المبشر به بعدة صفات وردت حالا منه وهي قوله
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
أما تصديقه بكلمة من اللّه فهو تصديقه بعيسى الذي يبشر اللّه به بكلمة منه أو الذي يولد بكلمة اللّه
« كُنْ » فَيَكُونُ
أي بغير السنة العامة في توالد البشر ، وهي ان يولد الولد بين أب وأم . وقال أبو عبيدة أي المراد بالكلمة هنا الكتاب أو الوحي . لأن الكلمة تطلق على الكلام وان كان كثيرا ، وقيل غير ذلك . وأما السيد فهو من يسود في قومه بالعلم أو الكرم أو الصلاح وعمل الخير . والحصور وصف مبالغة من مادة الحصر ومعناها الحبس فهو من يحبس نفسه ويمنعها مما ينافي الفضل والكمال اللائق بها . ويطلق على