يعترض عليه بأن فيه اشعارا بأن زكريا لم يكن قبل ذلك عالما بامكان الخوارق ولا يقول بهذا مؤمن بنبوته . فان قيل أن تعجبه بعد بقوله « رب أنى يكون لي غلام » قد يشعر بشئ من ذلك فالجواب إن هذا يؤيد امتناع أن تكون رواية الجوارق هي التي أثارت في نفسه هذا الدعاء ، ثم قال الأستاذ الامام في معنى هذا الدعاء وهذا التعجب من استجابته أحسن قول وهاكه بالمعنى مع شئ من التصرف : ان زكريا لما رأى ما رآه من نعمة اللّه على مريم في كمال ايمانها وحسن حالها ولا سيما اختراق شعاع بصيرتها لحجب الأسباب ، ورؤيتها ان المسخر لها هو الذي يرزق من يشاء بغير حساب ، أخذ عن نفسه ، وغاب عن حسه ، وانصرف عن العالم وما فيه ، واستغرق قلبه في ملاحظة فضل اللّه ورحمته ، فنطق بهذا الدعاء في حال غيبته ، وانما يكون الدعاء جديرا بأن يستجاب إذا جرى به اللسان بتلقين القلب ، في حال استغراقه في الشعور بكمال الرب ، ولما عاد من سفره في عالم الوحدة إلى عالم الأسباب ومقام التفرفة ، وقد أوذن بسماع ندائه ، واستجابة دعائه ، سأل ربه عن كيفية تلك الاستجابة ، وهي على غير السنة الكونية فأجابه بما أجابه ، وذلك قوله عز وجل
* * *
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ
قرأ حمزة والكسائي فناداه الملائكة بالتذكير والإمالة والباقون فنادته بتاء التأنيث أي جماعة الملائكة والعرب تؤنث وتذكر المسند إلى جمع الذكور الظاهر لا سيما إذا كان في لفظه تاء كالطلحات . ورسم المصحف يتفق مع القراءتين لأنه رسم فيه بالياء غير منقوطه هكذا
« فَنادَتْهُ »
ومن سنته رسم الألف الممالة ياء لأنها منقلبة عنها وجمهور المفسرين يقولون إن المراد بالملائكة جبريل ملك الوحي وقالوا إن العرب تخبر عن الواحد بلفظ الجمع تريد به الجنس . قال ابن جرير يقال خرج فلان على بغال البريد وانما ركب بغلا واحدا وركب السفن وانما ركب سفينة واحدة وكما يقال ممن سمعت هذا الخبر فيقال من الناس وانما سمعه من رجل واحد وقد قيل إن منه
« الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ »
والقائل كان فيما ذكروا واحدا . ثم قال بعد ذلك وأما الصواب من القول في تأويله فان يقال إن اللّه جل ثناؤه أخبر أن الملائكة نادته والظاهر من ذلك أنها