والمرسلون ، وأما ما ورد في حديث مريم وعيسى من أن الشيطان لم يمسهما وحديث إسلام شيطان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وحديث إزالة حظ الشيطان من قلبه فهو من الأخبار الظنية لأنه من رواية الآحاد . ولما كان موضوعها عالم الغيب والايمان بالغيب من قسم العقائد وهي لا يؤخذ فيها بالظن لقوله تعالى
( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) *
كنا غير مكلفين الايمان بمضمون تلك الأحاديث في عقائدنا وقال بعضهم : يؤخذ فيها بأحاديث الآحاد لمن صحت عنده ، ومذهب السلف في هذه الأحاديث تفويض العلم بكيفيتها إلى اللّه تعالى : فلا نتكلم في كيفية مس الشيطان ولا في كيفية إخراج حظه من القلب ، وإنما نقول إن ما قاله الرسول حق وأنه يدل على مزية لمريم وابنها وللنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا يشاركهم فيها سواهم من عباد اللّه الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ، وهذه المزية لا تقتضى وحدها أن يكون كل واحد منهم أفضل من سائر عباد اللّه المخلصين ، إذ قد يوجد في المفضول من المزايا ما لا يوجد في الفاضل ، فليست مريم أفضل من إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسّلام لأن اختصاص اللّه إياهما بالنبوة والرسالة والخلة والتكليم يعلو كون الشيطان لم يمسهما عند الولادة . على أن الحديث ورد في تفسير كونه تعالى تقبل من أمها إعاذتها وذريتها من الشيطان . وهذه الإعاذة قد كانت بعد ولادتها والعلم بأنها أنثى وظاهر الحديث أن المس يكون عند الوضع . واللّه ورسوله أعلم بمرادهما .
* * *
فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ
أي تقبل مريم من أمها ورضى أن تكون محررة للانقطاع لعبادته وخدمة بيته وهو أبلغ من قبلها وزاده مبالغة وتأكيدا وصفه بالحسن كأنه قال فقبلها ربها أبلغ قبول حسن
وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً
أي رباها ونماها في خيره ورزقه وعنايته وتوفيقه تربية حسنة شاملة للروح والجسد كما تربى الشجرة في الأرض الصالحة حتى تنمو وتثمر الثمرة الصالحة لا يفسد طبيعتها شئ ولعله عبر عن التربية بالانبات لبيان أن التربية فطرية لا شائبة فيها . ومن مباحث اللفظ أن القبول مصدر « قبل » لا « تقبل » والنبات مصدر لنبت لا لأنبت ، ولكن العرب تخرج المصدر أحيانا على غير صفة الفعل والشواهد على هذا كثيرة
وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا
شدد الكوفيون من القراء الفاء وخففها الباقون والمعنى على الأولى وجعل زكريا