تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
والحيوان وهو لذلك لا فتنة من التمتع به وقلما يفكر الانسان بغبطته به أو حاجته اليه ثم قال تعالى :
ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
أي ذلك الذي ذكر من الأنواع الستة هو ما يستمتع به الناس في حياتهم الدنيا أي الأولى واللّه عنده حسن المرجع في الحياة الآخرة التي تكون بعد موت الناس وبعثهم فلا ينبغي لهم أن يجعلوا كل همهم في هذا المتاع القريب العاجل ، بحيث يشغلهم عن الاستعداد لما هو خير منه في الآجل ، كما سيأتي التصريح به في الآية التالية لهذه الآية فقد علم مما شرحته أن الكلام في هذه الشهوات بيان لما فطر عليه الناس من حبها وزينه في نفوسهم ، وتمهيد لتذكيرهم بما هو خير منها لا لبيان قبحها في نفسها كما يتوهم الجاهل . فان اللّه تعالى ما فطر الناس على شئ قبيح بل خلقهم في أحسن تقويم ، ولا جعل دينه مخالفا لفطرته بل موافقا لها كما قال
( 30 : 30 فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )
وكيف يكون حب النساء في أصل الفطرة مذموما وهو وسيلة إتمام حكمته تعالى في بقاء النوع إلى الأجل المسمى وهو من آياته تعالى الدالة على حكمته ورحمته ، كما قال
( 30 : 20 وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يحبهن . وكيف يكون حب المال مذموما لذاته واللّه تعالى قد جعل بذل المال من آيات الايمان وهو تعالى ينهى عن الاسراف والتبذير في انفاقه ، كما ينهى عن البخل به وقد امتن على نبيه بأنه وجده عائلا أو فقيرا فأغناه وجعل المال قواما للأمم ومعززا للدين ووسيلة لإقامة ركنين من أركانه ومن أعظم أسباب التقرب اليه تعالى . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم « إن اللّه يحب العبد التقى الغنى الحفى » رواه مسلم في صحيحه . ولا أراني في حاجة إلى الكلام في حب البنين والخيل والأنعام والحرث . فان الشبهة فيها للغالين في الزهد أضعف . فعلى المؤمن المتقى أن لا يفتتن بهذه الشهوات ويجعلها أكبر همه والشاغل له عن آخرته . فإذا اتقى ذلك واستمتع بها بالقصد والاعتدال والوقوف عند حدود اللّه تعالى فهو السعيد في الدارين
« رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ »
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 246 | الشيخ محمد رشيد رضا