تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
علة له ولا فكر فيه ولا عقل ولا رأى ، بل هو جنون فطرى ورحمة ربانية عامة لجميع الحيوانات لا فرق فيها بين الانسان والهرة . والطور الثاني حب معلول معه فكر وهو المراد بالآية وهو حب الأمل والرجاء بالولد . ولذلك كان خاصا بالبنين وإنما الحب على قدر الأمل فإذا خاب يضعف الحب ويرث ، وربما انقلب إلى عداوة تستتبع التقاضى وطلب العقاب أو الغرامة كما يقع كثيرا : فرأيه أن لفظ
« الْبَنِينَ »
لا تغليب فيه ولا احتباك في مقابلة ما قبله ، وكأنه رأى أن في هذا تكلفا لا حاجة اليه في العبرة ( النوع الرابع
الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ )
أي كثرة المال وهو مما أودع في الغزائز وعلته أن المال وسيلة إلى الرغائب ، وموصل إلى الشهوات واللذائذ ، ورغائب الانسان غير محدودة ، وأفراد لذائذه غير معدودة ، فهو لاستعداده الذي لا منتهى له يطلب الوسائل إلى رغائب لا منتهى لها ، وهذه الرغائب يتولد بعضها من بعض
فما قضى أحد منها لبانته * ولا انتهى أرب الا إلى أرب
فلا حرم أن الانسان لا يستكثر المال مهما كثر ، بل إن كثرته هي التي تزيد فيه نهمته ، حتى أنه لينسى أنه وسيلة إلى غيره فيجعل جمعه مقصدا يتفنن في طرقه كلما سلك طريقا عن له من السلوك فيه طرق أخرى . قال صلّى اللّه عليه وسلّم « لو كان لابن آدم وأديان من ذهب لتمنى أن يكون لهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب اللّه على من تاب » رواه الشيخان من حديث ابن عباس رضى اللّه عنهما والتعبير بالقناطير المقنطرة يشعر بأن الكثرة هي التي تكون مظنة الافتتان لأنها تشغل بالتمتع بها القلب ، وتستغرق في تدبيرها الوقت ، حتى لا يكاد يبقى في قلب صاحبها منفذ للشعور بالحاجة إلى غيرها من طلب الحق ونصرته في الدنيا ، والاستعداد لما أعده اللّه للمتقين في الأخرى ، وما بعث اللّه رسولا في أمة ، ولا مصلحا في قوم ، الا وكان الأغنياء أول من كفر وعاند وأبى واستكبر ، وان مؤمني الأغنياء أقلهم عملا ، وأكثرهم زللا ، قال تعالى
( 48 : 11 سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا )
وقال
( 8 : 28 وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ )
فقدم الفتنة بالأموال على الفتنة بالأهلين ، وكأنه انما أخر ذكر الأموال هنا عن ذكر النساء والبنين
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 243 | الشيخ محمد رشيد رضا