تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
حبهن غنى ؟ وكم استغنى بالسعي للحظوة عندهن فقير ؟ وكم ذل بعشقهن عزيز ؟ وكم ارتفع في طلب قربهن وضيع ؟ ولعل في القارئين من يحب أن يعرف كيف يغتى الفقير ويرتفع الوضيع بسبب حب النساء - إذا كان لا يوجد فيهم من يحتاج إلى معرفة كيف يذل العاشق ويفتقر - فنقول : إن من يحب ذات شرف ورفعة ويرى أنه لا سبيل إلى الاقتران بها إلا بتحصيل المال وتسنم غارب المعالي يوجه جميع قواه إلى ذلك ولا يزال به حتى يناله . ولم يذكر حب النساء للرجال على أن حبهن لهم من نوع حبهم لهن ولكن الحب لا يبرح بالنساء تبريحه بالرجال . فالمرأة أقدر على ضبط حبها وكتمانه وضبط نفسها وحفظ مالها ؛ وإنك لتسمع بأخبار المئين والألوف من الرجال الذين افتقروا أو احتقروا أو جنوا في حب النساء ولا تجد في مقابلتهم عشر نسوة قد منين بمثل ذلك في حب الرجال . ثم إن الرجال هم القوامون على النساء لقوتهم وقدرتهم على الحماية والكسب فاسرافهم في الحب واستهتارهم في العشق له الأثر العظيم في شؤون الأمة وفي إضاعة الحق أو حفظه . فان قيل : إن حب الولد أشد من حب المرأة فلماذا قدم ذكر النساء ؟ أقل إن الأمر ليس كذلك فان حب الولد - وإن كان لا يزول وحب المرأة قد يزول - لا يعظم فيه الغلو والاسراف كحبها ، وكم من رجل جنى عشقه للمرأة على أولاده حتى أن كثيرا من الرجال الذين تزوجوا بأكثر من امرأة فعشقوا واحدة وملوا أخرى قد أهملوا تربية أولاد المملولة وحرموهم الرزق من حيث أفاضوا نصيبهم على أولاد المحبوبة وهذا من أسباب تحريم التزويج بأكثر من واحدة على من يخاف أن لا يعدل ، فكيف بمن يوقن بذلك ويعزم عليه ؟ وكم من غنى عزيز يعيش أولاده عيشة الفقراء الأذلاء لعشق والدهم لغير أمهم من نسائه وإن ماتت أمهم ولم يكن للمعشوقة ولد وما هو إلا محض التقرب وابتغاء الزلفى إلى المرأة أما السبب في كون حب الرجل للمرأة أقوى من حبها له فهو أن السبب الطبيعي لهذا الحب هو داعية النسل لا قصده والداعية في الرجل أقوى وأشد ولذلك تراه يشغل بها إذا بلغ سنا أكثر من المرأة على كثرة شواغله الصارفة له عن ذلك وهو هو الذي يطلب المرأة ويبذل جهده وماله في سبيلها موطنا نفسه على أن يمونها ويصونها