تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
الوظيفة الأولى التقديس ومعناه : أنه إذا سمع اليد والإصبع وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « ان اللّه خمر طينة آدم بيده » و « إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » « 1 » فينبغي أن يعلم أن اليد تطلق لمعنيين : أحدهما هو الوضع الأصلي وهو عضو مركب من لحم وعظم وعصب ، واللحم والعظم والعصب جسم مخصوص وصفات مخصوصة أعنى بالجسم عبارة عن مقدار له طول وعرض وعمق يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو إلا بأن يتنحى عن ذلك المكان . وقد يستعار هذا اللفظ أعنى اليد لمعنى آخر ليس ذلك المعنى بجسم أصلا ، كما يقال البلدة في يد الأمير ، فان ذلك مفهوم وإن كان الأمير مقطوع اليد مثلا ، فعلى العامي وغير العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أن الرسول عليه السّلام لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم ، وأن ذلك في حق اللّه تعالى محال وهو عنه مقدس . فان خطر بباله أن اللّه جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم . فان كل جسم فهو مخلوق وعبادة المخلوق كفر ، وعبادة الصنم كان كفرا لأنه مخلوق وكان مخلوقا لأنه جسم فمن عبد جسما فهو كافر باجماع الأئمة السلف منهم والخلف ، كان ذلك الجسم كثيفا كالجبال الصم الصلاب ، أو لطيفا كالهواء والماء ، وسواء كان مظلما كالأرض أو مشرقا كالشمس والقمر والكواكب ، أو مشفا لا لون له كالهواء أو عظيما كالعرش والكرسي والسماء ، أو صغيرا كالذرة والهباء ، أو جمادا كالحجارة أو حيوانا كالانسان . فالجسم صنم ، فبأن يقدر حسنه وجماله أو عظمه أو صغره أو صلابته وبقاؤه لا يخرج عن كونه صنما . ومن نفى الجسمية عنه وعن يده وأصبعه فقد نفى العضوية واللحم والعصب وقدس الرب جل جلاله عما يوجب الحدوث ليعتقد بعده انه عبارة عن معنى من المعاني ليس بجسم ولا عرض في جسم يليق ذلك المعنى باللّه تعالى فإن كان لا يدرى ذلك المعنى ولا يفهم كنه حقيقته فليس عليه في ذلك تكليف أصلا فمعرفة تأويله ومعناه ليس بواجب عليه ، بل واجب عليه ان لا يخوض فيه كما سيأتي
هامش
( 1 ) الحديثان وردا بألفاظ مختلفة في الصحيحين وغيرهما