في محبته تعالى ورضاه وغضبه وكراهته فيجعل ذلك مجازا ويفسره إما بالإرادة وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات قيل له لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته بل القول في أحدهما كالقول في الآخر . فان قلت إن إرادته مثل إرادة المخلوقين فكذلك محبته ورضاه وغضبه . وهذا هو التمثيل . وإن قلت له إرادة تليق به كما أن للمخلوق إرادة تليق به . قيل لك وكذلك له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به ، وله تعالى رضى وغضب يليق به كما للمخلوق رضى وغضب يليق به فان قال الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام قيل له والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة . فان قلت هذه إرادة المخلوق قيل لك وهذا غضب المخلوق وكذلك يلزم بالقول في علمه وسمعه وبصره وقدرته ونحو ذلك فهذا الفرق بين بعض الصفات وبعض ما يقال له فيما نفاه كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته فان قال تلك الصفات أثبتها بالعقل لأن الفعل دل على القدرة والتخصيص دل على الإرادة والاحكام دل على العلم وهذه الصفات مستلزمة للحياة والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك قال له سائر أهل الاثبات لك جوابان ( أحدهما ) أن يقال عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المالول المعين ، فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك فإنه لا ينفيه ، وليس لك أن تنفيه من غير دليل لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت ، والسمع قد دل عليه ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي . فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم ( الثاني ) أن يقال يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات فيقال :
نفع العباد بالاحسان إليهم وما يوجد في المخلوقات من المنافع للمحتاجين وكشف الضر عن المضرورين وأنواع الرزق والهدى والمسرات دليل على رحمة الخالق كدلالة التخصيص على الإرادة والمشيئة والقرآن يثبت دلائل الربوبية بهذه الطريق تارة يدلهم بالآيات المخلوقة على وجود الخالق ويثبت علمه وقدرته وحياته وتارة يدلهم بالنعم والآيات على وجود بره واحسانه المستلزم رحمته وهذا كثير في القرآن وإن لم يكن مثل الأول أو أكثر منه لم يكن أقل منه بكثير واكرام الطائعين يدل على محبتهم وعقاب الكفار يدل على بغضهم كما قد ثبت بالشاهد والخبر من اكرام
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 203
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٠٣