تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
حكم العظمة الربوبية أن يكون فوق ملكه وأن تكون المملكة تحتة باعتبار الحدوث من الكون لا باعتبار القدم المكون فإذا أشير إليه بشئ يستحيل أن يشار إليه من جهة التحتية أو من جهة اليمنة أو من جهة اليسرة بل لا يليق أن يشار اليه إلا من جهة العلو والفوقية ثم الإشارة وهي بحسب الكون وحدوثه وأسفله فالإشارة تقع على أعلا جزء من الكون حقيقة وتقع على عظمة اللّه تعالى كما يليق به لا كما يقع على الحقيقة المحسوسة عندنا في أعلا جزء من الكون فإنها إشارة إلى جسم وتلك إلى إثبات . إذا علم ذلك في الاستواء صفة كانت له سبحانه وتعالى في قدمه لكن لم يظهر حكمها إلا خلق العرش كما أن الحساب صفة قديمة لا يظهر حكمها إلا في الآخرة وكذلك التجلي في الآخرة لا يظهر حكمه إلا في محله قال فإذا علم ذلك فالأمر الذي تهرب المتأولة منه حيث أولوا الفوقية بفوقية المرتبة والاستواء بالاستيلاء فنحن أشد الناس هربا من ذلك وتنزيها للبارى تعالى عن الحد الذي لا يحصره فلا يحد بحد يحصره بل بحد تتميز به عظمة ذاته عن مخلوقاته والإشارة إلى الجهة إنما هو بحسب الكون وسفله إذ لا تمكن الإشارة إليه إلا هكذا وهو في قدسه سبحانه منزه عن صفات الحدث وليس في القدم فوقية ولا تحتية وإنما من هو محصور في التحت لا يمكنه معرفة بارئه إلا من فوقه فتقع الإشارة إلى العرش حقيقة إشارة معقولة وتنتهى الجهات عند العرش ويبقى ما وراءه لا يدركه العقل ولا يكفيه الوهم فتقع الإشارة عليه كما يليق به مجملا مثبتا مكيفا لا ممثلا . ( قال ) فإذا علمنا ذلك واعتقدناه تخلصنا من شبهة التأويل وعماوة التعطيل وحماقة التشبيه والتمثيل وأثبتنا علو ربنا وفوقيته واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته والحق واضح في ذلك والصدر ينشرح له فان التحريف تأباه العقول الصحيحة مثل تحريف الاستواء بالاستيلاء وغيره والوقوف في ذلك جهل وغى مع كون الرب وصف نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها فوقوفنا عن إثباتها ونفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياها فما وصف لنا نفسه بها إلا لنثبت ما وصف به نفسه ولا نقف في ذلك . قال وكذلك التشبيه والتمثيل حماقة وجهالة فمن وفقه اللّه للاثبات فلا تحريف ولا تكييف ولا وقوف فقد وقع على الأمر المطلوب منه ان شاء اللّه تعالى واللّه أعلم ا ه .