والتعريض ويؤمر العامة بتفويض الأمر فيه إلى اللّه تعالى والوقوف عند حد المحكم فيكون لكل نصيبه على قدر استعداده . مثال ذلك : اطلاق لفظ « كلمة الله » و « روح من الله » على عيسى فالخاصة يفهمون من هذا ما لا تفهمه العامة . ولذلك فتن النصارى بمثل هذا التعبير إذ لم يقفوا عند حد المحكم وهو التنزيه واستحالة أن يكون للّه جنس أو أم أو ولد ، والمحكم عندنا في هذا قوله تعالى
( 3 : 59 إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ )
وسيأتي في هذه السورة . أقول : وعندهم مثل قول المسيح في إنجيل يوحنا « 17 : 2 وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الاله الحقيقي وحذك ويسوع المسيح الذي أرسلته »
( قال ) ومن المتشابه ما يحتمل معاني متعددة وينطبق على حالات مختلفة لو أخذ منها أي معنى وحمل على أية حالة لصح ويوجد هذا النوع في كلام جميع الأنبياء وهو على حد قوله تعالى
( 34 : 24 وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ )
ومنه إبهام القرآن لمواقيت الصلاة لحكمة وقد بين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك في بلاد العرب المعتدلة بالأوقات الخمسة للصلوات الخمس . وما كانت العرب تعلم أن في الدنيا بلادا لا يمكن تحديد هذه المواقيت فيها ، كالبلاد التي تشرق فيها الشمس نحو ساعتين لا يزيد نهار أهلها على ذلك . أشار القرآن إلى مواقيت الصلاة بقوله :
( 30 : 17 فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ( 18 ) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ )
وسبب هذا الابهام أن القرآن دين عام لا خاص ببلاد العرب ونحوها . فوجب أن يسهل الاهتداء به حيثما بلغ ومثل هذا الاجمال والابهام في مواقيت الصلاة يجعل لعقول الراسخين في العلم وسيلة للمراوحة فيه واستخراج الأحكام منه في كل مكان بحسبه . فأينما ظهرت الحقيقة وبدت لها حكما في القرآن وهذا النوع من المتشابه من أجل نعم اللّه تعالى ولا سبيل إلى الاعتراض على اشتمال الكتاب عليه .
وما يتذكر إلا أولوا الألباب قال الأستاذ الامام أي وما يعقل ذلك ويفقه حكمته إلا أرباب القلوب النيرة والعقول الكبيرة ، وإنما وصف الراسخون بذلك لأنهم لم يكونوا راسخين إلا بالتعقل والتدبر لجميع الآيات المحكمة التي هي