يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ )
. فتبين مما قررناه أنه لا يقال على هذا لماذا كان القرآن منه محكم ومنه متشابه لأن المتشابه بهذا المعنى من مقاصد الدين فلا يلتمس له سبب لأنه جاء على أصله .
( قال ) وأما التفسير الثاني للمتشابه وهو كونه ليس قاصرا على أحوال الآخرة بل يتناول غيرها من صفات اللّه التي لا يجوز في العقل أخذها على ظاهرها وصفات الأنبياء التي من هذا القبيل نحو قوله تعالى
( وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ )
فان هذا مما يمنع الدليل العقلي والدليل السمعي من حمله على ظاهره فهذا هو الذي يأتي الخلاف في علم الراسخين بتأويله كما تقدم . فالذين قالوا بالنفي جعلوا حكمة تخصيص الراسخين بالتسليم والتفويض هي تمييزهم بين الامرين وإعطاء كل حكمه كما تقدم آنفا . وأما القائلون بالاثبات الذين يردون ما تشابه ظاهره من صفات اللّه أو أنبيائه إلى أم الكتاب الذي هو المحكم ويأخذون من مجموع المحكم ما يمكنهم من فهم المتشابه فهؤلاء يقولون إنه ما خص الراسخين بهذا العلم إلا لبيان منع غيرهم من الخوض فيه قال فهذا خاص بالراسخين لا يجوز تقليدهم فيه وليس لغيرهم التهجم عليه . وهذا خاص بما لا يتعلق بعالم الغيب .
قال : وههنا يأتي السؤال : لم كان في القرآن متشابه لا يعلمه إلا اللّه والراسخون في العلم ؟ ولم لم يكن كله محكما يستوى في فهمه جميع الناس ، وهو قد نزل هاديا والمتشابه يحول دون الهداية بما يوقع اللبس في العقائد ، ويفتح باب الفتنة لأهل التأويل ؟ أقول : وقد ذكر الرازي هذا السؤال مفصلا وذكر للعلماء خمسة أجوبة عنه قال في المسألة الرابعة من مسائل الآية أن بعض الملحدة طعن في القرآن لاشتماله على المتشابهات وقال إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة ثم إنا نراه بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب على مذهبه وذكر شيئا من احتجاج الجبرية والقدرية وغيرهم وقال إن صاحب كل مذهب يعد ما دل عليه من المحكم وما يخالفه من المتشابه ويلجأ إلى التأويل وإن كان ضعيفا .
( قال ) أليس أنه لو جعله جليا نقيا عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض في دينه ثم قال : إن العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوها : ونحن ننقلها