أقول : إنه رحمه اللّه تعالى لم يأت بشئ نير ولم يحسن بيان ما قاله العلماء وأسخف هذه الوجوه وأشدها تشوها الثاني ولا أدرى كيف أجاز له عقله أن يقول إن القرآن جاء بالمتشابهات ليستميل أهل المذاهب إلى النظر فيه وأن هذا طريق إلى الحق ؟
أين كانت هذه المذاهب عند نزوله ؟ ومن اهتدى من أهلها بهذه الطريقة ؟ ويقرب من هذا ما قاله في بيان السبب الأقوى من دعوة العوام إلى المتشابه أولا ! ! ! وهاك أيها القارئ ما قاله الأستاذ الامام في بيان أجوبة العلماء ، وهي عنده ثلاثة
( 1 ) إن اللّه أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولا واضحا لا شبهة فيه عند أحد من الأذكياء ولا من البلداء لما كان في الايمان شئ من معنى الخضوع لأمر اللّه تعالى والتسليم لرسله
( 2 ) جعل اللّه المتشابه في القرآن حافزا لعقل المؤمن إلى النظر كيلا يضعف فيموت فان السهل الجلى جدا لا عمل للعقل فيه . والدين أعز شئ على الانسان فإذا لم يجد فيه مجالا للبحث يموت فيه وإذا مات فيه لا يكون حيا بغيره فالعقل شئ واحد إذا قوى في شئ قوى في كل شئ ، وإذا ضعف ضعف في كل شئ ولذلك قال
( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ )
ولم يقل والراسخون في الدين لأن العلم أعم وأشمل فمن رحمته تعالى أن جعل في الدين مجالا لبحث العقل بما أودع فيه من المتشابه فهو يبحث أولا في تمييز المتشابه من غيره وذلك يستلزم البحث في الأدلة الكونية والبراهين العقلية وطرق الخطاب ووجوه الدلالة ليصل إلى فهمه ويهتدى إلى تأويله . وهذا الوجه لا يأتي إلا على قول من عطف
( وَالرَّاسِخُونَ )
على لفظ الجلالة ، وليكن كذلك
( 3 ) إن الأنبياء بعثوا إلى جميع الأصناف من عامة الناس وخاصتهم سواء كانت بعثتهم لأقوامهم خاصة كالأنبياء السالفين عليهم السّلام أو لجميع البشر كنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا كانت الدعوة إلى الدين موجهة إلى العالم والجاهل والذكي والبليد والمرأة والخادم ، وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه كل مخاطب عاميا كان أو خاصيا ألا يكون في ذلك من المعاني العالية والحكم الدقيقة ما يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية