تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
عباس وجمهور من الصحابة إلى القول الثاني وكان ابن عباس يقول « أنا من الراسخين في العلم أنا أعلم تأويله » . وقالوا في استدلال أولئك أن اللّه تعالى إنما ذم الذين يبتغون التأويل بذهابهم فيه إلى ما يخالف المحكمات يبتغون بذلك الفتنة والراسخون في العلم ليسوا كذلك ، فإنهم أهل اليقين الثابت الذي لا زلزال فيه ولا اضطراب فهؤلاء يفيض اللّه تعالى عليهم فهم المتشابه بما يتفق مع المحكم . وأما دلالة قولهم
« آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »
على التسليم المحض فهو لا ينافي العلم فإنهم إنما سلموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم لعلمهم باتفاقه مع المحكم فهم لرسوخهم في العلم ووقوفهم على حق اليقين لا يضطربون ولا يتزعزعون بل يؤمنون بهذا وبذاك على حد سواء لأن كلا منهما من عند اللّه ربنا ولا غرو فالجاهل في اضطراب دائم والراسخ في ثبات لازم . ومن اطلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجارى فهو يعرف الحق بذاته ويرجع كل قول إليه قائلا . آمنا به كل من عند ربنا . هذا ما قاله الأستاذ الامام في بيان التفسير المأثور في الآية ثم قال بينا أن المتشابه ما استأثر اللّه بعلمه من أحوال الآخرة أو ما خالف ظاهر لفظه المراد منه وورود المتشابه بالمعنى الأول في القرآن ضروري ، لأن من أركان الدين ومقاصد الوحي الاخبار بأحوال الآخرة فيجب الايمان بما جاء به الرسول من ذلك على أنه من الغيب كما نؤمن بالملائكة والجن ، ونقول إنه لا يعلم من تأويل ذلك أي حقيقة ما تؤول اليه هذه الألفاظ إلا اللّه والراسخون في العلم وغيرهم في هذا سواء وإنما يعرف الراسخون ما يقع تحت حكم الحس والعقل فيقفون عند حدهم ولا يتطاولون إلى معرفة حقيقة ما يخبر به الرسل عن عالم الغيب ، لأنهم يعلمون أنه لا مجال لحسهم ولا لعقلهم فيه وإنما سبيله التسليم فيقولون آمنا به كل من عند ربنا : فعلى هذا يكون الوقف على لفظ الجلالة لازما وإنما خص الراسخين بما ذكر لأنهم هم الذين يفرقون بين المرتبتين ما يجول فيه علمهم وما لا يجول فيه ومن المحال أن يخلو الكتاب من هذا النوع فيكون كله محكما بالمعنى الذي يقابل المتشابه . ومن الشواهد على أن التأويل هنا بمعنى ما يؤول اليه الشئ وينطبق عليه لا بمعنى ما يفسر به : قوله تعالى
( 7 : 52 يَوْمَ