تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
وما نصروا على قلتهم إلا بتقوى اللّه التي جمعت كلمتهم وقوت عزيمتهم . والتقوى تكون سبب الفرقان والمخرج في كل شئ بحسبه ، لأنها عبارة عن اتقاء أسباب الضرر والخذلان في النفس وفي الخارج ولذلك يفسر المخرج في آية سورة الطلاق وهي في مقام الانفاق على النساء بما لا يفسر به في سورة الأنفال وهي في مقام المدافعة والقتال لحماية الدعوة وأهلها . هذا وان الفرقان في اللغة هو الصبح الذي يفرق بين الليل والنهار ويسمى القرآن فرقانا لأنه كالصبح يفرق بين الحق والباطل وتقوى اللّه تعالى في الأمور كلها تعطى صاحبها نورا يفرق به بين دقائق الشبهات التي لا يعلمهن كثير من الناس فهي تفيده علما خاصا لم يكن ليهتدى اليه لولاها . وهذا العلم هو غير العلم الذي يتوقف على التلقين كالشرع أصوله وفروعه ، وهو ما لا تتحقق التقوى بدونه لأنها عبارة عن العمل فعلا وتركا بعلم . فالعلم الذي هو أصل التقوى وسببها لا يكون إلا بالتعلم كما ورد في الحديث « العلم بالتعلم » « 1 » والعلم الذي هو فرعها وثمرتها هو ما تفطن له النفس بعد فيفيدها الرسوخ في العلم الأول بالعمل به ، فان العلم يكون في النفس مجملا مبهما حتى يعمل به فإذا عمل به صار مفصلا جليا راسخا تتبين به الدقائق والخفايا . وبذلك تفطن نفس العامل إلى مسائل أخرى تطلبها بالتجربة والبحث حتى تصل إليها كما يعرف كل واقف على ترقى العلوم الطبيعية في الأنفس والأشياء وهو المشار اليه بحديث « ومن تعلم فعمل علمه اللّه ما لم يعلم » رواه أبو الشيخ عن ابن عباس وحديث « من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم » رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس . وإذا علمت
هامش
( 1 ) جزم البخاري بتعليقه وروى عن غير واحد من الصحابة من عدة طرق رواه الدارقطني في الافراد والعلل والخطيب في التاريخ من حديث أبي هريرة والعسكري من حديث أنس والطبراني في الكبير من حديث معاوية قال الحافظ ابن حجر : اسناد حديث معاوية حسن لأن فيه مبهما اعتضد بمجيئه من وجه آخر والبيهقي في المدخل والعسكري في الأمثال من حديث ابن مسعود والطبراني والدارقطني من حديث أبي الدرداء .
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 130 | الشيخ محمد رشيد رضا