تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
الذين يلبسون لباس الصلاح دعوى العلم باللّه وفهم القرآن والحديث ومعرفة أسرار الشريعة من غير أن يكونوا قد تعلموا من ذلك شيئا والعامة تسلم لهم بهذه الدعوى وتصدق قولهم ان اللّه هو الذي تولى تعليمهم ويسمون علمهم هذا بالعلم اللدني . ويرد استدلالهم بالآية على ذلك من وجهين . أحدهما انه لا يرضى به سيبويه وله الحق في ذلك لأن عطف
« يُعَلِّمُكُمُ »
على
« اتَّقُوا اللَّهَ »
ينافي أن يكون جزاء له ومرتبا عليه لان العطف يقتضى المغايرة . ولو قال
« يُعَلِّمُكُمُ »
بالجزم لكان مفيدا لما قالوه وكذلك لو كان العطف بالفاء أو اتصل بالفعل لام التعليل . والثاني أن قولهم هذا عبارة عن جعل المسبب سببا والفرع أصلا والنتيجة مقدمة . فان المعروف المعقول أن العلم هو الذي يثمر التقوى فلا تقوى بلا علم فالعلم هو الأصل الأول ، وعليه المعول . وبعد أن أطال بعض الإطالة في بيان تأثير العلم في الإرادة بتوجيهها إلى العمل الصالح وصرفها عن العمل القبيح - وتلك هي التقوى - قال إننا لا ننكر العلم الذي يسمونه لدنيا وإنما تنكر أن يكون غاية لذلك الطريق الجائر الذي يشترط فيه الجهل ونقول إن العلم باللّه تعالى والعلم بالشرع والعمل به مع الاخلاص قد يصرف العالم العامل المخلص إلى اللّه تعالى حتى يكون كالمنفصل بقلبه وروحه عن العالم الطبيعي وقد يحصل له عند ذلك اشراف على ما لا يشرف عليه غيره يعنى من أسرار الحكمة الإلهية والتحقق ببعض المعارف الغيبية فيعلم مما قصه اللّه علينا من خبر الآخرة والملائكة ما لا يعلمه كل ناظر في معاني الالفاظ والأساليب في الكتاب وأين هذا مما يدعيه أعوان الجهل وأعداء العلم وأقول : إنهم يستدلون على زعمهم ذاك بآية أخرى توهم بعض من كتب في التفسير أنها بمعنى ما قالوه هنا وهي قوله تعالى
( 8 : 29 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ )
الآية وهو غلط . فسر بعض أهل الأثر الفرقان هنا بالمخرج ، فالشرطية عنده كالشرطية في قوله تعالى في سورة الطلاق
( 65 : 2 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً )
وبعضهم بالنجاة وبعضهم بالنصر . قال ابن جرير وكل ذلك متقارب المعنى وان اختلفت العبارات : وهو كما قال فان الآية في سورة الأنفال ومعظمها يتعلق بحال المسلمين قبل واقعة بدر ، وكانوا في ضيق شديد كان الخروج منه بانجائهم من عدوهم ونصرهم عليه