تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
الكاتب والشهداء من الشروط التي تستلزم نفى المضارة فبقى أن يؤمر المتعاملون بعدم مضارة الكتاب والشهداء بالزامهم بترك منافعهم لأجل الكتابة والشهادة أو بتحميلهم المشقة في ذلك بلا عوض . فالمتبادر من النهى أنه عن مضارة المتعاملين للكاتب والشهيد . وإذا قيل بأنها ترشد إلى إعطائهما أجرة ما يحملان من الكلفة لم يكن ببعيد ، ومقتضى مذهب الشافعية في جواز استعمال المشترك في معنييه واللفظ في حقيقته ومجازه : أنه يجوز أن يراد بيضار البناء للفاعل وللمفعول معا لأنه من قبيل الأول ، واستعمل يضار الدال على المشاركة للإشارة إلى أن ضر الانسان لغيره ضر لنفسه واللّه أعلم
وَإِنْ تَفْعَلُوا
ما نهيتم عنه من اضرار الكاتب والشهيد
فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
أي فان هذا الفعل خروج بكم عن حدود طاعة اللّه تعالى إلى معصيته وأشير بقوله
« وَإِنْ »
إلى أن مثل هذا الفعل الذي يتحقق به الفسق لا يكاد يقع من المخاطبين ، وهم الذين آمنوا . لان من شأن الايمان أن يمنع منه . ثم ختم الآية بالموعظة العامة التي تعين النفس على الامتثال في جميع الاعمال وذلك قوله عز وجل
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
أي اتقوا اللّه في جميع ما أمركم به ونهاكم عنه وهو يعلمكم ما فيه قيام مصالحكم وحفظ أموالكم وتقوية رابطتكم فإنكم لولا هدايته لا تعلمون ذلك . وهو سبحانه العليم بكل شئ فإذا شرع شيئا فإنما يشرعه عن علم محيط بأسباب درء المفاسد وجلب المصالح لمن تبع شرعه . وكرر لفظ الجلالة لكمال التذكير وقوة التأثير . وقال البيضاوي كرر لفظ اللّه في الجمل الثلاث لاستقلالها ، فان الأولى حث على التقوى والثانية وعد بانعامه والثالثة تعظيم بشأنه ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية : وهذا مبنى على أن الثانية جملة مستأنفة وقيل هي جملة حالية . قال الأستاذ الامام : اشتهر على ألسنة المدعين للتصوف في معنى هاتين الجملتين
( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ )
أن التقوى تكون سببا للعلم وبنوا على ذلك أن سلوك طريقتهم وما يأتونه فيها من الرياضة وتلاوة الأوراد والأحزاب تثمر لهم العلوم الإلهية وعلم النفس وغير ذلك من العلوم بدون تعلم . وهذا الزعم فتح للجاهلين
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 128 | الشيخ محمد رشيد رضا