تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
حاضرة تدار بين المتعاملين بالتعاطى بأن يأخذ المشترى المبيع والبائع الثمن فلا حرج في ترك كتابتها ولا إثم ، إذ لا يترتب عليه شئ من الارتياب الذي يجر إلى التنازع والتخاصم وما وراء ذلك من المفاسد . أقول : وفي نفى الجناح إشارة إلى أن كتابة ذلك أولى وهو إرشاد إلى استحباب ضبط الانسان لماله وإحصائه لما يرد عليه وما يصدر عنه . وذلك من الكمال المدني ومن أسباب ارتقاء أمور الكسب ولم يجعل هذا حتما لأنه مما يشق على غير المرتقين في المدنية والترخيص فيه دليل على وجوب كتابة الديون المؤجلة كما هو ظاهر ما تقدم 12 -
وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ
قيل معناه هذا التبايع المذكور هنا وهو التجارة الحاضرة وقيل مطلقا . واختار الأستاذ الامام الأول قال لأن البيع بالكالىء يستلزم الدين وهو الذي أمر بكتابته والاستشهاد عليه والاشهاد لازم لما يحصل من المجاحدين في بعض العقود الحاضرة بعد العقد من التنازع والخلاف وكأنه يعنى أن من شأن هذه المجاحدة أن تحصل عن قريب . ولذلك اكتفى بالاشهاد لتلافى ما عساه يقع منها . وأما الديون المؤجلة فربما يقع التنازع فيها بعد موت الشهود ، لأنها مما يطول زمنها لا سيما إذا كان الأجل بعيدا . فلهذا وجبت كتابتها وشرع الاحتجاج عليها بالكتابة . 13 -
وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ
لفظ يضار يحتمل البناء للفاعل وللمفعول ويروى أن بعض الصحابة قد قرأوا بفك الادغام فعمر وابن عباس على الأول وابن مسعود على الثاني . ولعل ذلك كان تفسيرا لا قراءة والمعنى على . الأول نهى الكاتب والشهيد أن يضرا أحد المتعاملين بعدم الإجابة أو بالتحريف والتغيير ونحو ذلك . ومعنى الثاني نهى المتعاملين عن ضر الكاتب أو الشهيد بأن يدعيا إلى ذلك وهما مشغولان بمهم لهما فيكلفان تركه . وروى ابن جرير ما يؤيد هذا وهو أن الرجل كان يجئ الكاتب فيقول اكتب لي ، فيعتذر بعذره ويدل على غيره ، فلا يقبل منه ، ويقال له انك قد أمرت ان تكتب فيلزم بذلك ويضار فنزلت . وهذه الرواية لا تصلح سببا الا إذا كان نزول هذا النهى متراخيا عن نزول الامر بالكتابة وهما في آية واحدة نزلت دفعة واحدة . وأقوى منها في تأييده : ما قد اشترط في