تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
يؤدى الأمانة إلى من ائتمنه وليتق اللّه ربه فلا يتخون من الأمانة شيئا أنه لا حجة عليه بها ولا شهيد فان اللّه ربه خير الشاهدين فهو أولى بأن يتقى ويطاع 16 -
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
النهى عن كتمان الشهادة بعد النهى عن إباء تحملها على أحد الوجوه في قوله
( وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا )
تأكيد كتأكيد أمر الكاتب بأن يكتب بعد نهيه عن الاباء فقد أمر اللّه الكتاب والشهود بأن يعينوا الناس على حفظ أموالهم وحرم عليهم ان يقصروا في ذلك كما حرم على أرباب الأموال أن يضاروهم فلا بد من الجمع بين مصلحة الجميع ولما كان الذي يدرك الوقائع التي شهد بها ويعيها هو القلب وهو لب الانسان وآلة عقله وشعوره كان كتمان الشهادة عبارة عن حبس ذلك فيه ولذلك جعله هو الآثم أي هو موضع الاثم في هذا الكتمان وحده والا فهو مصدر كل اثم . وهذا يدفع ما يزعمه الجاهلون من أن الاثم لا يكون إلا بعمل الجوارح وحركات الأعضاء الظاهرة . وما قال تعالى
( 17 : 36 إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا )
الا لأن للفؤاد أي القلب أو النفس أعمالا خاصة به وأعمالا يزعج الجوارح إليها ، فأضيف اليه ما هو خاص به وأسند الباقي إلى مظهره من السمع والبصر في هذه الآية ، ومن الأيدي والأرجل في نصوص أخرى . ومن آثام القلب سوء القصد وفساد النية وهي شر الذنوب والآثام ، ودلت الآية على أن الانسان يؤاخذ على ترك المعروف كما يؤاخذ على فعل المنكر ، لأن الترك في الحقيقة فعل للنفس يعبر عنه بالكتم والكتمان في مثل الشهادة ، وبالكف في غيرها ولكل مقام مقال فكل ذلك يعد في الحقيقة فعلا وعملا . ولذلك قال
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
وفي هذا من الوعيد ما مر بيان مثله هذا وان الاحكام في الآيتين على كونها أظهر من الشمس معنى وعلة وحكمة قد وقع فيهما خلاف أشرنا إلى بعضه وقد بسط الأستاذ الامام القول في مسألة وجوب كتابة الدين ولم يكد يزد على ما قال المفسرون في غير ذلك من مواقع الخلاف شيئا فلا بد من بيان ما اختلف وتحقيق الحق فيه على النسق الذي أورده في الدرس مع بيان رأيه رحمه اللّه تعالى