تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
لو اتبعناه عاصما منها فنحن ننسى مثل هذه الفائدة الكبرى للدين في الموضوع نفسه ونذكر من سيئات الدين أنه حرم الربا ولو لم يحرمه لجاز أن يكسب بعض أغنيائنا أكثر مما يكسبون الآن . وقد أشار الأستاذ إلى هذا المعنى فقال : إن أثر الربا فينا لا يمكننا أن نزيله بمثات من السنين ولو أننا حافظنا على أمر الدين فيه لكنا بقينا لأنفسنا : فتأمل قوله : بقينا لأنفسنا . وقال في تفسير
( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا )
الخ ما مثاله : مسألة الربا مسألة كبيرة اتفقت فيها الأديان ولكن اختلفت فيها الأمم ، فاليهود كانوا يرابون مع غيرهم والنصارى يرابى بعضهم بعضا ويرابون سائر الناس وقد كان المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة زمنا طويلا ثم قلدوا غيرهم ومنذ نصف قرن فشت المراباة بينهم في أكثر الأقطار وكانوا قبل ذلك يأكلون الربا بالحيلة التي يسمونها شرعية وقد أباحها بعض الفقهاء في استثمار مال اليتيم وطالب العلم المنقطع ، ومنها مسألة السبحة المشهورة وهي أن يتفق الدائن مع المدين على أن يعطيه مئة إلى سنة بمئة وعشرة مثلا فيعطيه المئة نقدا ويبيعه سبحة بعشرة في الذمة فيشتريها ثم يهديها إليه على أن الذين يأكلون الربا من المسلمين لا يزالون قليلين جدا ولكن الذين يؤكلونه غيرهم كثيرون جدا حتى لا تكاد تجد متمولا في هذه البلاد سالما من الاستدانة بالربا إلا قليلا والسبب في ذلك تقليد حكامهم في هذه السنة بل كثيرا ما كان حكام هذه البلاد يلزمون الرعية بها إلزاما لاداء ما يفرضونه عليهم من الضرائب والمصادرات ومن هنا نرى أن الأديان لم يمكنها أن تقاوم ميل جماهير الناس إلى أكل الربا حتى كأنه ضرورة يضطرون إليها . ومن حجتهم عليها أن البيع مثل الربا فكما يجوز أن يبيع الانسان السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدا بعشرين درهما نسيئة يجوز له أن يعطى المحتاج العشرة الدراهم على أن يرد إليه بعد سنة عشرين درهما لأن السبب في كل من الزيادتين الأجل . هكذا يحتج الناس في أنفسهم كما تحتج الحكومات بأنها لو لم تأخذ المال بالربا لاضطرت إلى تعطيل مصالحها أو خراب أرضها . واللّه تعالى قد أجاب عن دعوى مماثلة البيع للربا بجواب ليس على طريقة أجوبة الخطباء المؤثرين ولا على طريقة أقيسة الفلاسفة والمنطقيين ، ولكنه على سنة هداية