تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
ليكونا ميزانا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم . فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودا بالاستغلال فان هذا يؤدى إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال ، فينمو المال ويربو عندهم ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة بالبنوك ، ويبخس العاملون قيم أعمالهم لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء . ولو وقف الناس في استغلال المال عند حد الضرورة لما كان فيه مثل هذه المضرات . ولكن أهواء الناس ليس لها حد تقف عنده بنفسها ( أي فلا بد لها من الوازع الذي يوقفها بالاقناع أو الالزام ) لذلك حرم اللّه الربا وهو لا يشرع للناس الأحكام بحسب أهوائهم وشهواتهم كأصحاب القوانين ، ولكن بحسب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة . وأما واضعو القوانين فإنهم يضعون للناس الأحكام بحسب حالهم الحاضرة التي يرونها مواققة لما يسمونه الرأي العام من غير نظر في عواقبها ولا في أثرها في تربية الفضائل والبعد عن الرذائل وإننا نرى البلاد التي أحلت قوانينها الربا قد عفت فيها رسوم الدين وقل فيها التعاطف والتراحم ، وحلت القسوة محل الرحمة حتى إن الفقير فيها يموت جوعا ولا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه فمنيت من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية وهي مسألة تألب الفعلة والعمال على أصحاب الأموال واعتصابهم المرة بعد المرة لترك العمل وتعطيل المعامل والمصانع ، لأن أصحابها لا يقدرون عملهم قدره بل يعطونهم أقل مما يستقحونه ، وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلابا كبيرا في العالم . ولذلك قام كثير من فلاسفتهم وعلمائهم يكتبون الرسائل والأسفار في تلافى شر هذه المسألة وقد صرح كثير منهم بأنه لا علاج لهذا الداء إلا رجوع الناس إلى ما دعاهم اليه الدين . وقد ألف تولستوى الفيلسوف الروسى كتابا سماه ( ما العمل ؟ ) وفيه أمور يضطرب لفظاعتها القارئ وقد قال في آخره : ان أو ربا نجحت في تحرير الناس من الرق ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار ( الجنيه ) عن أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يوما ما قال الأستاذ رحمه اللّه تعالى وهذه بلادنا قد ضعف فيها التعاطف والتراحم وقل
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 109 | الشيخ محمد رشيد رضا