الدين وهو أن اللّه أحل البيع وحرم الربا . وقد جعل أكثر المفسرين هذا الجواب من قبيل إبطال القياس بالنص ، أي إنكم تقيسون في الدين واللّه تعالى لا يجيز هذا القياس ولكن المعهود في القرآن مقارعة الحجة بالحجة وقد كان الناس في زمن التنزيل يفهمون معنى الحجة في رد القرآن لذلك القول إذ لم يكن عندهم من الاصطلاحات الفقهية المسلمة ما هو أصل عندهم في المسائل لا يفهمون الآيات إلا به ولا ينظرون إليها الا لتحويلها إليه وتطبيقها على آرائهم ومذاهبهم فيه . والمعنى الصحيح أن زعمهم مساواة الربا للييع في مصلحة التعامل بين الناس إنما يصح إذا أبيح للناس أن يكونوا في تعاملهم كالذئاب كل واحد ينتظر الفرصة التي تمكنه من افتراس الآخر وأكله ، ولكن ههنا إله رحيم يضع لعباده من الاحكام ما يربيهم على التراحم والتعاطف وأن يكون كل منهم عونا للآخر لا سيما عند شدة الحاجة اليه ولذلك حرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة اخوانهم وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه يأكل الغنى الواحد مال الفقير الفاقد . فهذا وجه للتباين بين الربا والبيع يقتضى فساد القياس .
وهناك وجه آخر وهو أن اللّه تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشهم أن يكون استفادة كل واحد من الآخر بعمل ولم يجعل لاحد منهم حقا على آخر بغير عمل لأنه باطل لا مقابل له وبهذه السنة أحل البيع لأن فيه عوضا يقابل عوضا وحرم الربا لأنه زيادة لا مقابل لها . والمعنى أن قياسكم فاسد لان في البيع من الفائدة ما يقتضى حله وفي الربا من المفسدة ما يقتضى تحريمه . ذلك أن البيع يلاحظ فيه دائما انتفاع المشترى بالسلعة انتفاعا حقيقيا لان من يشترى قمحا مثلا فإنما يشتريه ليأكله أو ليبذره أو ليبيعه وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعا حقيقيا ( وأقول والثمن في هذا مقابل للمبيع مقابلة مرضية للبائع والمشترى باختيارهما ) وأما الربا وهو عبارة عن اعطاء الدراهم والمثليات وأخذها مضاعفة في وقت آخر فما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا مقابل له من عين ولا عمل ( أقول وهي لا تعطى بالرضى والاختيار بل بالكره والاضطرار ) .
وثم وجه ثالث لتحريم الربا من دون البيع وهو أن النقدين انما وضعا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 108
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص١٠٨