تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
بعضهم ببعض وذلك من أعظم أسباب هناء المعيشة وحسن حال الأمة ولذلك نبه إلى العلم بذلك فقال
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
لأن من لا يعلم وجه الخيرية في شئ لا يعمله ومن علم عمل حتما أي إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتم به وعاملتم إخوانكم بالمسامحة فعليكم بالعلم الذي يهديكم إلى خير العمل الذي يقرب بعضكم من بعض ويجعلكم متحابين متوادين . وقد استدل بعضهم بالآية على وجوب إنظار المعسر مطلقا وبعضهم على وجوب ذلك في دين الربا خاصة وقالوا إن هذا الواجب يفضله شئ مندوب وهو الابراء والتصدق على المعسر فإنه ليس بواجب اتفاقا وقيل إن المراد بالتصدق هنا الانظار كأنه يقول وهذا الانظار الذي أمرتم به خير لكم وهو خلاف المتبادر . ثم ختم جل ثناؤه آيات الربا بهذه الموعظة العامة التي تسهل على المؤمن إذا وعاها السماح بالمال بل وبالنفس رجاء أن يلقى اللّه تعالى على أحسن حال من الفضل والكمال فقال * * *
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
قرأ أبو عمرو ويعقوب ( ترجعون ) بفتح الفاء وكسر الجيم من رجع والباقون ( ترجعون ) بضم التاء وفتح الجيم من أرجع بالبناء للمفعول . أي واحذروا يوما عظيما ترجعون فيه من غفلاتكم وشواغل الحياة الجسدية التي تشغلكم عن مراقبة اللّه فتصيرون إلى اللّه أي إلى الاستغراق في العلم والشعور بأنه لا سلطان إلا سلطانه ولا ملك إلا له ذكر معنى ذلك الأستاذ الامام وقال ما معناه مبسوطا « * » أما حقيقة الرجوع فلا تصح هنا لأننا ما غبنا عن اللّه طرفة عين ولا يمكن أن نغيب عنه فنرجع اليه ولكن الانسان في غفلته وشغله بشؤونه الحيوانية يتوهم أن له استقلالا تاما بنفسه وأن له رؤساء وأمراء يخافهم ويرجوهم ويرى أنه تعرض له حاجات وضرورات يجب عليه أن يستعد لها بتكثير المال وجمعه من حرام وحلال . فأمثال هذه الخواطر تكون له شغلا شاغلا ربما يستغرق وقته فيصرفه عن التفكر في منافع التسامح في معاملة الناس والتصدق على المحتاج منهم فكان أنفع دواء لمرض انصراف النفس
هامش
( * ) إن ما في مذكرتى عنه لا يبلغ خمسة أسطر معناها بالاجمال انه إذا كان يوم القيامة زالت الشواغل التي كانت تصرف الانسان عن ربه في الدنيا وبالتفصيل ما ذكرنا