تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
« الحادية عشرة » ان الايمان باللّه تعالى والتصديق بلقائه من أعظم أسباب الصبر والثبات في مواقف الجلاد ، فان الذي يؤمن بأن له إلها غالبا على أمره يمده بمعونته الإلهية ، كما أمده بالقوى الروحية والجسدية ، فإذا ظفر باذنه كان مصلحا في الأرض مستعمرا فيها ، وإذا قبضه اليه باتتهاء أجله المسمى كان في رحمته ناعما فيها ، لهو جدير بأن يستخف يالاهوال ، ويثبت في القتال ثبات الاجبال ، وقد وافقنا كتّاب الإفرنج في هذه المسألة ، فصرحوا بأن من أسباب ثبات البوير وبلائهم في حربهم للانكليز كونهم أقوى ايمانا وأرسخ عقيدة ، وجميع الأمم تشهد بأن الجيش العثماني أثبت جيوش العالم وأصبره وأشجعه ، وقد تمنى قائد ألماني يعد من أشهر قواد الأرض لو أن له مئة ألف من هذا الجيش ليملك بها العالم ، ذلك بأنه جيش يؤمن بلقاء اللّه تعالى ايمانا قويا يقل في قواده من يساويه فيه « 1 » « الثانية عشرة » ان التوجه إلى اللّه تعالى بالدعاء مفيد في القتال كما يدل عليه قوله تعالى
( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ )
إذ عطفها بالفاء على آية الدعاء ، وذلك معقول المعنى فان الدعاء هو آية ذلك الايمان الذي بينا فائدته آنفا ولذلك قال عز وجل في سورة الأنفال
( 8 : 45 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )
فيراجع تفسيرها في الجزء العاشر « الثالثة عشرة » دفع اللّه الناس بعضهم ببعض من السنن العامة وهو ما يعبر عنه علماء الحكمة في هذا العصر بتنازع البقاء ، ويقولون إن الحرب طبيعية في البشر لأنها من فروع سنة تنازع البقاء العامة . وأنت تري أن قوله تعالى
( وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ )
ليس نصا فيما يكون بالحرب والقتال
هامش
( 1 ) كتبت هذا منذ ثلاثين سنة وقد حدثت بعد ذلك حروب كثيرة بين دول أوربة والمسلمين في طرابلس الغرب وبرقة وفي البلقان كان فيها المسلمون على قلة عددهم وعددهم ورزقهم يقتلون اضعاف أضعافهم ، ثم وقعت الحرب العالمية الكبرى فاستخدمت فرنسة وانكلترة فيها مئات الألوف من مسلمي مستعمراتها حتى قتال الألمان فكانوا أشجع جيوش الملل الأخرى وأثبتها وأصبرها ، ولكن هؤلاء الأسود ليس لهم ملوك ولا أمراء إلا من هم دون الكلاب