هم عون السلطان وقوته باحترام الأمة لهم وثقتها بهم ، ولذلك لم ينصب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إماما للمسلمين في أمر الزعامة والحكم ، ولكن استنبط بعض العظماء من الصحابة رضاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بامامة أبي بكر الدنيوية ، بانابته عنه في الإمامة الدينية ، وهي إمامة الصلاة إذ أمر عندما اشتد مرضه ، بأن يصلي أبو بكر بالناس مكانه ، ومع هذا قال عمر : ان بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى اللّه المسلمين شرها . أي ان الشورى في انتخابه لم تكن تامة ، وإنما كان هو الذي عجل بالبيعة خوفا من عاقبة طول أمد الخلاف مع إجماعهم على عدم دفن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل نصب الخليفة له ، ولكن خلافته وإمامته ( رض ) لم تثبت بالفعل الا بمبايعة الأمة له
« الخامسة » ان الناس لا يتفقون على التقليد أو الاتباع فيما يرونه مخالفا لمصلحتهم الاجتماعية ، ولذلك اختلف بنو إسرائيل على نبيهم في جعل طالوت ملكا عليهم ، واحتجوا على ذلك بما لا ينهض حجة الا في ظن المنكرين . ومن عجيب أمر الناس أن كلّا منهم يحسب أنه بعرف الصواب في السياسة ونظام الاجتماع في الأمم والدول ، فلا تعرض مسألة على عامي الا ويبدي فيها رأيا يقيم عليه دليلا على أن هذا العلم هو أعلى من سائر العلوم التي يعترف الجاهلون بها بجهلهم ، فلا يحكمون فيها كما يحكمون في علم السياسة والاجتماع . وما يعقله الا الافراد من الناس ، ومن فروع هذه القاعدة أن عامة المسلمين لهذا العهد يرون أن الدعوة إلى جعل الخلافة موافقة للقواعد الشرعية التي يعتقدونها مخالفة لمصلحتهم ، وكثير منهم يعد الداعي إلى ذلك عدوا لهم بل للاسلام نفسه « 1 »
« السادسة » ان الأمم في طور الجهل ترى ان أحق الناس بالملك والزعامة أصحاب الثروة الواسعة ( كما علم من قول المنكرين على ملك طالوت في تأييد انكارهم
هامش
( 1 ) سبب هذا أن الدولة العثمانية كانت تدعي منصب الخلافة لسلطانها ، وكانت أقوى دول المسلمين فكانوا يعتزون بها ، ويرون أن هذا المنصب كمال قوة لها تجاه الدول التي تعادي الاسلام وتكيد له وان لم تعمل هي شيئا لدينهم ولا دنياهم ولم يكن لهؤلاء المسلمين زعماء أولو علم وحزم تسموهمتهم وعزيمتهم إلى ما فوق قوة تلك الدولة ولا لاضطرارها إلى خدمة الاسلام