تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
خاصة ، بل هو عام لكل نوع من أنواع التنازع بين الناس الذي يقتضي المدافعة والمغالبة . ويظن بعض المتطفلين على علم السنن في الاجتماع البشري أن تنازع البقاء الذي يقولون إنه سنة عامة هو من أثرة الماديين في هذا العصر ، وانه جور وظلم ، هم الواضعون له والحاكمون به ، وأنه مخالف لهدي الدين ، ولو عرف من يقولون هذا معنى الانسان أو لو عرفوا أنفسهم ، أو لو فهموا هذه الآية وما في معناها من سورة الحج لما قالوا ما قالوا « الرابعة عشرة » قوله تعالى
( لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ )
يؤيد السنة التي يعبر عنها علماء الاجتماع بالانتخاب الطبيعي أو بقاء الأمثل ، ووجه ذلك جعل هذا من لوازم ما قبله ، فإنه تعالى يقول إن ما فطر عليه الناس من مدافعة بعضهم بعضا عن الحق والمصلحة هو المانع من فساد الأرض أي هو سبب بقاء الحق وبقاء الصلاح . ويعزز ذلك قوله تعالى في بيان حكمة الاذن للمسلمين بالقتال في سورة الحج
( 22 : 39 أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ 40 الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ، وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ 41 الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ )
فهذا إرشاد إلى تنازع البقاء والدفاع عن الحق ، وأنه ينتهي ببقاء الأمثل ، وحفظ الأفضل ومما يدل على هذه القاعدة من القرآن المجيد قوله تعالى في سورة الرعد
( 13 : 17 أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً ، وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ )
فهو يفيد أن سيول الحوادث ونيران التنازع تقذف زبد الباطل الضار في الاجتماع وتدفعه ، وتبقي إبليز « 1 » الحق النافع الذي ينمو فيه
هامش
( 1 ) الابليز هو الطين الذي يأتي به النيل في فيضانه وهو خاص أريد به العام