مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ 45 وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ )
السنن الاجتماعية في القرآن والأمم والاستقلال
أذكر ما يظهر لي من السنن والاحكام الاجتماعية في آيات هذه القصة مفصلة معدودة لعلها توعى ، وتحفظ فلا تنسى إن شاء اللّه تعالى
« السنة الأولى » ان الأمم إذا اعتدي على استقلالها ، وأوقع الأعداء بها ، فهضموا حقوقها ، تتنبه مشاعرها لدفع الضيم وتفكر في سبيله ، فتعلم انها الوحدة التي يمثلها الزعيم العادل ، والقائد الباسل ، فتتوجه إلى طلبه حتى تجده كما وقع من بني إسرائيل بعد تنكيل أهل فلسطين بهم
« الثانية » ان شعور الأمة بوجوب حفظ حقوقها ، وصيانة استقلالها ، إنما يكون على حقيقته وكماله في خواصها ، فمتى كثر هؤلاء الخواص في أمة فإنهم هم الذين يطلبون الرئيس الذي يملك عليهم ، كما علمت من إسناد طلب الملك إلى الملأ من بني إسرائيل وهم شيوخهم وأهل الفضل فيهم
« الثالثة » متى عظم الشعور في نفوس خواص الأمة بوجوب حفظ استقلالها ، ودفع ضيم الأعداء عنها ، فإنه لا يلبث أن يسري إلى عامتها ، فيظن الناقص أن عنده من النعرة والحمية للأمة ما عند الكامل ، حتى إذا خرجت من طور الفكر والشعور ، إلى طور العمل والظهور ، انكشف عجز الأدعياء المدعين ، ولم ينفع إلا صدق الصادقين ، كما علم من قوله تعالى
( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ )
« الرابعة » ان من شأن الأمم الاختلاف في اختيار الرئيس الذي يكون له الملك عليها ، والاختلاف مدعاة التفرق ، فيجب أن يكون هناك مرجح يقبله الجمهور من الأمة . لذلك لجأ الملا من بني إسرائيل إلى نبيهم وطلبوا منه أن يختار لهم رجلا يكون ملكا عليهم . وقد جعل الاسلام المرجح لاختيار إمام المسلمين مبايعة أولي الامر لمن يختارونه من أنفسهم ، وهم أهل الحل والعقد والمكانة في الأمة الذين