وفيه ذكر قول كل من الفريقين . ووسم من يقول بأنه لم يجاوز مع طالوت النهر إلا أهل الايمان بالغفلة ورد عليه قوله .
وفي كتب اليهود ان الابتلاء بترك شرب الماء كان على يد جدعون قبل قصة طالوت ، ويوردون ذلك بما لا يليق باللّه تعالى ولكنه يوافق ما بنيت عليه حوادث تاريخهم من كونها كلها عجائب وخوارق عادات لا شيء منها مبني على سنن اللّه تعالى في الاجتماع البشري . ففي الفصل السابع من سفر القضاة ما نصه :
« وقال الرب لجدعون إن الشعب الذي معك كثير عليّ لأدفع المديانيين بيدهم لئلا يفتخر عليّ إسرائيل قائلا يدي خلصتني والآن ناد في آذان الشعب قائلا من كان خائفا ومرتعدا فليرجع وينصرف من جبل جلعاد ، فرجع من الشعب اثنان وعشرون ألفا وبقي عشرة آلاف ، وقال الرب لجدعون لم يزل الشعب كثيرا ، انزل بهم إلى الماء فأنقيهم لك هناك ويكون أن الذي أقول لك عنه هذا يذهب معك فهو يذهب معك ، وكل من أقول لك عنه لا يذهب معك فهو لا يذهب ، فنزل بالشعب إلى الماء ، وقال الرب لجدعون كل من يلغ بلسانه من الماء كما يلغ الكلب فأوقفه وحده وكذا كل من جثا على ركبتيه للشرب . كان عدد الذين ولغوا بيدهم إلى فمهم ثلاث مئة رجل ، وأما باقي الشعب جميعا فجثوا على ركبهم لشرب الماء . فقال الرب لجدعون بالثلاث مئة رحل الذين ولغوا أخلصكم وأدفع المديانيين ليدك . وأما سائر الشعب فليذهبوا كل واحد إلى مكانه » اه
وقد علمت أن القوم خلطوا في تاريخهم ، وأن أكثره لا يعرف كاتبوه ومنه سفر صموئيل الذي فيه قصة طالوت ، وعبارته تدل على أنه كتب بعد حدوث وقائعه ، فان الكاتب يذكر بعض الأشياء ويقول إنها لا تزال إلى الآن كأن الزمن كان كافيا لأن نندرس فيه جميع الرسوم والمعالم التي عهدت عند وقوع تلك الوقائع وهم لا يعرفون كاتبه ، واننا نرى المؤرخين في زمامنا يغلطون بما يقع في عهدهم غلطا أبعد من هذا الغلط في اسناد الشيء إلى غير فاعله وتقديمه أو تأخيره عن زمنه ، وكما فات مؤرخي بني إسرائيل تحرير الوقائع والحوادث بالتدقيق ، فاتهم ما فيها من العبر والحكم ، فأين ما نقلناه في تفسير هذه القصة عنهم مما تجده
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 489
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٤٨٩