تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
بحبله ، ومن لم يطعمه أي يذقه بالمرة فإنه منه وهو الذي يركن اليه ويوثق به تمام الثقة ، فالابتلاء سيكون على ثلاث مراتب مرتبة من يشرب فيروى لا يبالي بالامر وحكمه أن يتبرأ منه ، ومرتبة من يأخذ بيده غرفة يبل بها ريقه وهو مقبول في الجملة ، ومرتبة من لا يذوقه البتة وهو الولي النصير الذي يوثق باتحاده ، ويعول على جهاده ، قال تعالى
فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
ذلك أن القوم كانوا قد فسد بأسهم وتزلزل ايمانهم ، واعتادوا العصيان فسهل عليهم عصيانهم ، وشق عليهم مخالفة الشهوة وان كان فيها هوانهم ، ولم يبق فيهم من أهل الصدق في الايمان والغيرة على الملة والأمة إلا نفر قليل ( وقليل من عبادي الشكور ) والعدد القليل من أهل العزائم ، يفعل ما لا يفعل الكثير من ذوي المآثم ، كما يعلم من قوله تعالى * * *
فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
أي فلما جاوز النهر طالوت هو والذين آمنوا معه ( قالوا ) أي الجنود وهم أولئك الذين شربوا منه إلا قليلا منهم
لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
الطاقة أدنى درجات القوة كما تقدم في تفسير آية الصيام ، وجالوت هو أشهر أبطال أعدائهم الفلسطينيين وعربه النصارى الذين ترجموا سفر صموئيل الذي فيه القصة « جليات » ولا اعتداد بتعريبهم والعبارة تشعر بأن جنود الفلسطينيين كانوا أكثر من الإسرائيليين أي قال جمهور الجنود ليس لنا أدنى شيء من جنس الطاقة بلقاء جالوت وجنوده ،
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
وهؤلاء الذين يظنون أنهم ملاقو اللّه في الآخرة هم الذين آمنوا وجاوزوا النهر مع طالوت وقد توهم بعض الناس أن الآخرين الذين شربوا من النهر لم يجاوزوه لأنه تعالى لم يذكرهم وظنوا أن القولين من المؤمنين الذين جاوزوا النهر قال ضعافهم لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده : وقال أقوياؤهم : كم من فئة قليلة الخ ثم اشتد بعضهم بعزيمة بعض وكان من أمر انتصارهم ما يأتي في الآية التي بعد هذه ، والعبارة لا تدل على أن الذين شربوا من النهر لم يجاوزوه وإنما خص بالذكر الذين لم يشربوا لأنهم لم يتخلفوا عن طالوت لأجل الشرب ، فهم الذين جاوزوه