معه مقترنين وهم الذين يعتدهم منه ويتبرأ من المتخلفين العاصين كما علم من قوله في الابتلاء
سياق الكلام فيمن فصل بهم من الجنود وابتلوا بالنهر وقد قال فيهم انهم شربوا منه إلا قليلا ، ثم أعلمنا أن فريقا منهم وصفهم بالمؤمنين جاوزوا النهر مع طالوت فعلمنا أنهم هم الذين أطاعوا ولم يشربوا ، ثم أخبرنا بقولين يصلح أحدهما لعارضة لآخر ورده ( الأول ) أسنده إلى ضمير الجماعة المحكي عنهم الذين قال فيهم انهم شربوا منه إلا قليلا منهم ، ومثله يصدر ممن خالف القائد وجبن عن القتال ، والثاني أسنده إلى الذين يظنون أنهم ملاقو اللّه وهو ينطبق على الذين أطاعوا القائد واتحدوا معه فلم يعصوا ويتفق مع وصف الايمان الذي سبقه ، فعلمنا أن الجميع جاوزوا النهر وأن هذين القولين كانا بعد مجاوزته ، وأن التصريح بمجاوزة المؤمنين منهم ليست للحصر وإنما هي لبيان المعية والمصاحبة ، فان القوم افترقوا عند النهر فسبق من لم يشرب والتف حول القائد وجاوزوا النهر معه ، وتخلف الآخرون قليلا للشرب والارتفاق بالماء ثم ، جاوزوا ولحقوا بالآخرين كما علم من محاورتهم معهم بما ظهر به أثر ما في نفس كل فريق منهما على لسانه . ومن بديع إيجاز القرآن أن يحذف الشيء ويأتي في السياق بما يدل عليه ، وأن يذكر القوم بوصف غير ما دل عليه الكلام أو يجعله في مكان الضمير لإفادة أن هذا الوصف المذكور هو السبب في الفعل أو الوصف الذي سيق الكلام لتقريره ، كما وصف الذين لم يشربوا بالايمان مرة وباعتقاد لقاء اللّه تعالى مرة أخرى ، فأعلمنا أن هذا الايمان والاعتقاد هما سبب طاعة القائد وترك الشرب ، وسبب الشجاعة والاقدام على لقاء العدو الذي يفوقهم عددا
هذا ما ظهر لي في بيان هذه العبارة ويؤيده ما رواه ابن جرير عن ابن عباس ( رضي اللّه عنهما ) قال : لما جاوزوه هو والذين آمنوا معه قال الذين شربوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده : ( قال ابن جرير ) وأولى القولين في ذلك بالصواب ما روي عن ابن عباس وقاله السدي وهو أنه جاوز النهر مع طالوت المؤمن الذي لم يشرب من النهر إلا الغرفة ، والكافر الذي شرب منه الكثير ، ثم وقع التمييز بينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه وانخذل عنه أهل الشرك والنفاق : الخ
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 488
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٤٨٨