تؤهلهم للقيام بأعباء السياسة وأعمال الرياسة ، وإنما يكون ذلك آية بينة وعبرة نافعة لمن يؤمن باللّه وآياته التي يؤيد بها أنبياءه ورسله عليهم السّلام ، لذلك قيدها بالشرط الذي حذف جوابه لدلالة الكلام عليه
علم من السياق أن الغرض الأول من طلب القوم نصب الملك عليهم هو أن يتولى قيادتهم للقتال في سبيل اللّه ويثأر من أولئك الوثنيين الذين أخرجوهم من ديارهم وأبنائهم ، فكان المتوقع بعد بيان نصب الملك أن يذكر ما كان من شأنه في القتال وذلك ما بينه تعالى ذكره بقوله
* * *
فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ
فصل بالجنود انفصل بهم من مقامهم وقادهم لقتال أعدائهم ، واصله : فصل نفسه عنه مصاحبا لهم ، والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر واصله الأرض الغليظة ذات الحجارة ثم قيل لكل مجتمع قوي جند . والشرب تناول المائع بالفم وابتلاعه ، وطعم الشيء من غذاء وشراب ذاقه قال الشاعر *
وان شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
* والغرفة بالفتح المرة من غرف الشيء إذا رفعه من محله وتناوله وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو والحجازيون . والغرفة بالضم ما يغترف وبها قرأ ابن عامر والكوفيون
لما كان بنو إسرائيل من قبل كارهين لملك طالوت عليهم ثم أذعنوا من بعد وكان اذعان الجميع ورضاهم مما لا يمكن العلم به إلا بالاختبار والابتلاء أراد اللّه أن يبتلي هذا القائد جنده ليعلم المطيع والعاصي والراضي والساخط ، فيختار المطيع الذي يرجى بلاؤه في القتال ، وثباته في معامع النزال ، وينفي من يظهر عصيانه ، ويخشى في الوغى خذلانه ، فان طاعة الجيش للقائد وثقته به من شروط الظفر ، وأحوج القواد إلى اختبار الجيش من ولي على قوم وهم له كارهون ، أو كان فيهم من يكرهه ، فإذا وجد في الجيش من ليس متحدا معه يخشى أن يوضعوا خلاله يبغونه الفتنة ويسومونه الفشل ، أخبر طالوت جنوده بأن سيمرون على نهر يمتحنهم به باذن اللّه ، فمن شرب منه فلا يعد من أشياعه المتحدين معه في أمر القتال إلا أن يكون ما يشربه قليلا وهو غرفة تؤخذ باليد ، فان هذا مما يتسامح فيه ولا يراه مانعا من الاتحاد به والاعتصام