تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
في إرث الأرض وفي هلاك الأمم وتكونها ، والآيات الواردة في أن له تعالى في البشر سننا لا تتبدل ولا تتحول وقد ذكرنا بعضها ، ومنها قوله تعالى
( 13 : 11 إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ )
فحالة الأمم في صفات أنفسها وهي عقائدها ومعارفها وأخلاقها وعاداتها ، هي لأصل في تغير ما بها من سيادة أو عبودية وثروة أو فقر وقوة أو ضعف ، وهي هي التي تمكن الظالم من اهلاكها والغرض من هذا البيان أن نعلم أنه لا يصح لنا الاعتذار بمشيئة اللّه عن التقصير في إصلاح شؤوننا تكالا على ملوكنا ، فان مشيئته تعالى لا تتعلق بابطال سننه تعالى وحكمته في نظام خلقه ، ولا دليل في الكتاب والسنة ولا في العقل ولا في الوجود على أن تصرف الملوك في الأمم هو بقوة إلهية خارقة للعادة ، بل شريعة اللّه تعالى وخليقته شاهدتان بضد ذلك
( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ )
ثم ختم الآية بقوله تعالى
وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
على طريقة القرآن في التنبيه على الدليل بعد الحكم والتذكير بأسماء الحسنى وآثارها ، أي واسع التصرف والقدرة إذا شاء أمرا اقتضته حكمته في نظام الخليقة فإنه يقع لا محالة ، عليم بوجوه الحكمة فلا يضع سننه في استحقاق الملك عبثا ، ولا يترك أمر العباد في اجتماعهم سدى ، بل وضع لهم من السنن الحكيمة ما هو منتهى الابداع والاتقان ، وليس في الامكان أبدع مما كان . هذا وقد جرى المفسرون على أن وجوه الرد على منكري جعل طالوت ملكا أربعة وأحسن عبارة لهم على اختصارها عبارة البيضاوي قال : لما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه رد عليهم ذلك ( أولا ) بأن العمدة فيه اصطفاء اللّه تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم و ( ثانيا ) بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن من معرفة الأمور السياسية وجسامة البدن ليكون أعظم خطرا في القلوب ، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب ، لا ما ذكرتم وقد زاده اللّه فيها وقد كان الرجل القائم يمد يده فينال رأسه ، و ( ثالثا ) بأنه تعالى مالك الملك على الاطلاق فله أن يؤتيه من يشاء و ( رابعا ) بأنه
« واسِعٌ »
الفضل يوسع الفضل على الفقير ويغنيه
« عَلِيمٌ »
بمن يليق بالملك وغيره . اه فجعلوا الأول بمعنى الثالث