( وأقول ) لو سرنا في الأرض وسبرنا أحوال الأمم الحاضرة ، وعرفنا تاريخ الأمم الغابرة ، لرأينا كيف ماتت الأمم التي قصرت في هذه الفريضة أو استعبدت ، وكيف عزت الأمم التي شمرت فيها وسعدت ، وهذه المضاعفة الدنيوية ، تكون لكل أمة أقامت هذه السنة الإلهية في حفظ بيضتها ، وإعزاز سلطانها ، سواء أكان المنفقون فيها يبتغون الاجر عند اللّه تعالى أم لا ، وإنها لمضاعفة كثيرة لا يمكن تحديدها ، فما أجهل الأمم الغافلة عنها وعن حال أهلها ، إذ يرون أهلها قد ورثوا الأرض وسادوا الشعوب ، فيتمنون لو كانوا مثلهم ، ولا يدرون كيف يكونون كذلك .
ومن العجب أن يكون المسلمون اليوم أجهل الأمم والشعوب بهذه السنة الإلهية وهم يتلون كتاب للّه آناء الليل وأطراف النهار ، ولا تتحرك قلوبهم ، ولا تنبسط أيديهم عند تلاوة آياته الحاثة على بذل المال في سبيله ، ولا سيما هذه الآية التي لو أنزلت على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من هيبة اللّه تعالى والحياء منه . عمل بهذه الهداية قوم فسعدوا ، وتركها آخرون فشقوا ، فإن كان قد فات الأولين قصد مرضاة اللّه بإقامة سنته فحرموا ثواب الآخرة ، فقد خسر الآخرون بتركها السعادتين ، وذلك هو الخسران المبين
ومن التفسير المأثور في الآية ما رواه ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : القرض الحسن المجاهدة والانفاق في سبيل اللّه ، وهو إجمال لما تقدم تفصيله ، ومن محاسن عبارات المفسرين هنا أن لفظ المضاعفة هنا للمبالغة بما في الصيغة من معنى المبالغة . قرأ أبو عمرو ونافع والكسائي ( فيضاعفه ) بالضم بتقدير فهو يضاعفه ، وقرأه عاصم بالنصب لوقوعه في حيز الاستفهام المعروف في قواعد النحو ، وقرأ ابن كثير ( فيضعفه ) بالرفع والتشديد وابن يعقوب وابن عامر بالنصب ، والتضعيف يدل على التكثير والتكرار
قال تعالى
( وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ )
وقرأ نافع والكسائي والبزي وأبو بكر يبصط بالصاد وهي لغة كأن الأصل فيها تفخيم السين لمجاورة الطاء أي يقبض الرزق عن بعض الناس فيجهلون طرقه التي هي سنن اللّه تعالى فيه أو يضعفون