طلبه بهذا الضرب من الاستفهاء ، المستعمل للاكبار والاستعظام ، فإنه انما يقال من ذا الذي يفعل كذا ؟ في لامر الذي يندر أن يقدم عليه أحد . يقال من ذا الذي يتطاول إلى الملك فلان ؟ أو من ذا الذي يعمل هذا العمل وله كذا ؟ إذا كان عظيما أو شاقا يقل من يتصدى له قال تعالى
( 2 ، 255 مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ؟ )
وقال
( 33 ، 17 قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ ؟ )
الآية . ولا يقال من ذا الذي يشرب هذه الكاس المثلوجة - وهجير الصيف متقد ، والسموم تلفح الوجوه - ؟ وانه لم يكتف بتسميته إقراضا وبالتعبير عنه بهذا الاستفهام حتى قال
فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً
ذلك أن الاقراض هو أن تعطي انسانا شيئا من المال على أن يرد إليك مثله ، فالتعبير بالاقراض يقتضي ان القرض لا يضيع ، وليس هذا بكاف في الترغيب الذي تقتضيه الحال هنا ، فصرح بأنه لا يرد مثله ، بل أضعاف أضعافه من غير تحديد ، وقد قال في مقام آخر
( 34 ، 39 وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ )
وهو كاف هناك لما علمت من الفصل بين المقامين ، والتفاوت بين الناس في الحالين ، وانك لتجد الناس على هذا التأكيد في الترغيب قلما يجودون بأموالهم في المصالح العامة
( 34 ، 13 وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ )
قال الأستاذ الامام معلوم ان اللّه تعالى غني عن العالمين فلا يحتاج إلى شيء لذاته ، ولا هو عائل لجماعة معينين فيقترض لهم ، فلا بد لهذا التعبير بالاقراض من وجه صحيح - أي غير ما يعطيه الأسلوب من الترغيب - فما هذا الوجه ؟ ورد في الحديث ان الفقراء عيال اللّه على الأغنياء « 1 » لان الحاجات التي تعرض لهم يقضيها
هامش
( 1 ) هكذا قال الامام وهو يشير إلى الحديث المتداول « الفقراء عيال اللّه وأحب الناس إلى اللّه أنفعهم لعياله » وقد رواه أبو يعلى في مسنده والبزار من حديث أنس والطبراني من حديث ابن مسعود بلفظ « الخلق كلهم عيال اللّه فأحبهم إلى اللّه أنفعهم لعياله » كذا في كنز العمال . وقال الجلال في الأحاديث المشتهرة رواه البيهقي في الشعب وأبو يعلى من حديث أنس وسنده ضعيف وابن عدي من حديث ابن مسعود . أقول ورواه الخطيب عن ابن عباس بلفظ « فأحب الناس إلى اللّه تعالى من أحسن إلى عياله - والديلمي عن أبي هريرة بزيادة - وأبغض الخلق إلى اللّه -